جريدة يومية (تصدر أسبوعية مؤقتاً) عن المجلس الأعلى للصحافة
الدوري المصري
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرإلهام شرشر
مقال رئيس التحرير
3 ديسمبر 2016 2:32 مـ 3 ربيع أول 1438

النبي محمد.. «رجل الدعوة والدولة»

النبي محمد.. «رجل الدعوة والدولة»

مع‭ ‬مطلع‭ ‬شهر‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ... ‬تستجمع‭ ‬الذكريات‭ ‬فيفوح‭ ‬منها‭ ‬عبق‭ ‬مقبل‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬ومن‭ ‬قريب‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ .. ‬يحمل‭ ‬فى‭ ‬طياته‭ ‬أسعد‭ ‬خبر‭... ‬سمعته‭ ‬البشرية‭ ‬فى‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭.... ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الساعة‭.... ‬

‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬ولد‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬يمشى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.. ‬وخير‭ ‬من‭ ‬وطئت‭ ‬الدنيا‭ ‬قدماه‭... ‬البشير‭ ‬النذير‭.. ‬السراج‭ ‬المنير‭... ‬الرؤوف‭ ‬الرحيم‭.. ‬

ولد‭ ‬الهدى‭  ‬فالكائنات‭ ‬ضياء

وفم‭  ‬الزمان‭  ‬تبسم‭ ‬وثناء

الروح‭ ‬والملأ‭ ‬الملائك‭  ‬حوله‭ ‬

للدين‭ ‬والدنيا‭ ‬به‭ ‬بشراء

والعرش‭ ‬يزهو‭ ‬والحظيرة‭ ‬تزدهى

والمنتهى‭ ‬والسدرة‭ ‬العصماء

وحديقة‭  ‬الفرقان‭  ‬ضاحكة‭ ‬الربا

بالترجمان‭ ‬شذية‭ ‬غناء

والوحى‭  ‬يقطر‭ ‬سلسلا‭ ‬من‭ ‬سلسل

واللوح‭ ‬والقلم‭ ‬البديع‭ ‬رواء

الذى‭ ‬جاء‭ ‬ذكره‭ ‬فى‭ ‬الكتب‭ ‬السماوية‭ ‬حاملا‭ ‬البشرى‭ ‬للوجود‭ ‬الإنسانى‭ .. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحين‭ ‬لحظة‭ ‬النهاية‭.. ‬نهاية‭ ‬دنيا‭ ‬الزوال‭... ‬

وجاء‭ ‬وصفه‭ ‬فى‭ ‬التوارة‭ ‬ببعض‭ ‬صفاته‭ ‬فى‭ ‬القرآن‭ ... ‬‮«‬يا‭ ‬أيها‭ ‬النبى‭ ‬إنا‭ ‬أرسلناك‭ ‬شاهدا‭ ‬ومبشرا‭ ‬ونذيرا‮»‬،‭ ‬وحرزا‭ ‬للأميين،‭ ‬أنت‭ ‬عبدى‭ ‬ورسولى،‭ ‬سميتك‭ ‬المتوكل،‭ ‬لست‭ ‬بفظ‭ ‬ولا‭ ‬غليظ‭ ‬ولا‭ ‬سخاب‭ ‬فى‭ ‬الأسواق‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬يدفع‭ ‬السيئة‭ ‬بالسيئة‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬يعفو‭ ‬ويغفر‭ ‬،‭ ‬ولن‭ ‬يقبضه‭ ‬الله‭ ‬حتى‭ ‬يقيم‭ ‬به‭ ‬الملة‭ ‬العوجاء‭ ‬،‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ‬،‭ ‬فيفتح‭ ‬بها‭ ‬أعينا‭ ‬عميا‭ ‬،‭ ‬وآذانا‭ ‬صما‭ ‬،‭ ‬وقلوبا‭ ‬غلفا‮»‬‭... ‬

بل‭ ‬لقد‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬وكشف‭ ‬عن‭ ‬مكنون‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬سأنبئِّكُم‭ ‬بأوَّلِ‭ ‬أمري‭... ‬دعوةُ‭ ‬أبى‭ ‬إبراهيمَ‭ ... ‬وبُشرى‭ ‬عيسى‭... ‬ورُؤيا‭ ‬أمِّيَ‭... ‬رأَت‭ ‬حينَ‭ ‬ولدَتنى‭ ‬كأنها‭ ‬خرجَ‭ ‬منها‭ ‬نورٌ‭ ‬أضاءَتْ‭ ‬لَه‭ ‬قصورُ‭ ‬الشَّامِ‮»‬‭... ‬

قيل‭ ‬فما‭ ‬هى‭ ‬دعوة‭ ‬الخليل‭ ‬إبراهيم‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬الأنبياء»؟؟؟‭!!!..... ‬قال‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فى‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬لسان‭  ‬إبراهيم‭ ‬‮«‬عليه‭ ‬السلام‮»‬‭: ‬‮«‬رَبَّنَا‭ ‬وَابْعَثْ‭ ‬فِيهِمْ‭ ‬رَسُولًا‭ ‬مِّنْهُمْ‭ ‬يَتْلُو‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬آيَاتِكَ‭ ‬وَيُعَلِّمُهُمُ‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬وَالْحِكْمَةَ‭ ‬وَيُزَكِّيهِمْ‭ ‬إِنَّكَ‭ ‬أَنتَ‭ ‬العَزِيزُ‭ ‬الحَكِيمُ‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران‭....‬

قيل‭ ‬فما‭ ‬هى‭ ‬بشرى‭ ‬عيسى؟‭!!!...... ‬قال‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فى‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬عيسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬‮«‬وَإِذْ‭ ‬قَالَ‭ ‬عِيسَى‭ ‬ابْنُ‭ ‬مَرْيَمَ‭ ‬يَا‭ ‬بَنِى‭ ‬إِسْرَائِيلَ‭ ‬إِنِّى‭ ‬رَسُولُ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬إِلَيْكُم‭ ‬مُّصَدِّقًا‭ ‬لِّمَا‭ ‬بَيْنَ‭ ‬يَدَيَّ‭ ‬مِنَ‭ ‬التَّوْرَاةِ‭ ‬وَمُبَشِّرًا‭ ‬بِرَسُولٍ‭ ‬يَأْتِى‭ ‬مِن‭ ‬بَعْدِى‭ ‬اسْمُهُ‭ ‬أَحْمَد‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الصف‭...  ‬

قيل‭ ‬فما‭ ‬هى‭ ‬رؤيا‭ ‬آمنة‭ ‬؟؟‭!!.... ‬قيل‭ : ‬كان‭ ‬مناما‭ ‬رأته‭ ‬حين‭ ‬حملت‭ ‬بي‭.. ‬وقصته‭ ‬على‭ ‬قومها‭ ‬فشاع‭ ‬فيهم‭ ‬واشتهر‭ ‬بينهم‭...  ‬

وتخصيص‭ ‬الشام‭ ‬بظهور‭ ‬نوره‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬دينه‭ ‬وثبوته‭ ‬ببلاد‭ ‬الشام‭... ‬ولهذا‭ ‬تكون‭ ‬الشام‭ ‬فى‭ ‬آخر‭ ‬الزمان‭ ‬معقلا‭ ‬للإسلام‭ ‬وأهله‭ ... ‬وبها‭ ‬ينزل‭ ‬‮«‬عيسى‭ ‬ابن‭ ‬مريم‮»‬‭...‬

‭ ‬ولهذا‭ ‬جاء‭ ‬فى‭ ‬الصحيحين‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تزال‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬أمتى‭ ‬ظاهرين‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬يضرهم‭ ‬من‭ ‬خذلهم‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خالفهم‭ ‬حتى‭ ‬يأتى‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬وهم‭ ‬كذلك‮»‬‭..... ‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬مولد‭ ‬خير‭ ‬الورى‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬مبعث‭ ‬نور‭ ‬أبدا‭ ‬لن‭ ‬ينطفئ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الساعة‭.. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬ولد‭ ‬فى‭ ‬عام‭ ‬الفيل‭ ‬الذى‭ ‬كف‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬‮«‬أبرهه‮»‬‭ ‬عن‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬الحرام‭ .... ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬مولده‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬كان‭ ‬مصدر‭ ‬رحمة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬حوله‭.. ‬بل‭ ‬بكل‭ ‬الكائنات‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬ألوانها‭ ‬وأشكالها‭ ‬وأحجامها‭ ‬وطبيعة‭ ‬وجودها‭...‬‭ ‬

كانت‭ ‬بحق‭ ‬ساعة‭ ‬إجلال‭ ‬وإكرام‭... ‬سعد‭ ‬بها‭ ‬الوجود‭  ‬بأسره‭.. ‬كيف‭ ‬لا؟؟‭!!!... ‬وهى‭ ‬تحمل‭ ‬بين‭ ‬طياتها‭ ‬مولد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭... ‬‭ ‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬بحق‭ ‬ساعة‭ ‬رحمة‭.. ‬ساعة‭ ‬رأفة‭.. ‬عمت‭ ‬البشرية‭.. ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬المخلوقات‭.. ‬يقول‭ ‬تعالى‭:‬ِ‭ ‬‮«‬قَدْ‭ ‬جَاءَكُمْ‭ ‬رَسُولٌ‭ ‬مِّنْ‭ ‬أَنفُسِكُمْ‭ ‬عَزِيزٌ‭ ‬عَلَيْهِ‭ ‬مَا‭ ‬عَنِتُّمْ‭ ‬حَرِيصٌ‭ ‬عَلَيْكُم‭ ‬بِالْمُؤْمِنِينَ‭ ‬رَءُوفٌ‭ ‬رَّحِيمٌ‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬التوبة‭... ‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬بحق‭ ‬مشعل‭ ‬نور‭ ‬غطا‭ ‬الوجود‭ ‬بأسره‭... ‬بما‭ ‬يحمل‭ ‬بين‭ ‬طياته‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والهداية‭ ... ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬جاءكم‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬نور‭ ‬وكتاب‭ ‬مبين‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬المائدة‭... ‬

كم‭ ‬أنا‭ ‬سعيدة‭ ‬أننى‭ ‬أتناول‭ ‬فى‭ ‬مقالى‭ ‬السياسى‭ ‬لب‭ ‬الدين‭ ‬وجوهره‭... ‬وكيف؟؟‭!!... ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬الحبيب‭ ‬النبى‭ ‬المصطفى‭ ‬المختار‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭... ‬

كم‭ ‬أنا‭ ‬سعيدة‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬حزينة‭ .. ‬اعتذر‭ ‬له‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬الدنيا‭ ‬كلها‭ ‬على‭ ‬تقصيرى‭ ‬فى‭ ‬حقه‭... ‬حين‭ ‬شاركنى‭ ‬فى‭ ‬حبه‭ ‬والصلاة‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬ذكر‭ ‬ربى‭ ‬وربه‭ ‬هموم‭ ‬الدنيا‭ ‬والحديث‭ ‬عنها‭ ... ‬عزائى‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬أننى‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الوطن‭ .. ‬الوطن‭ ‬الذى‭ ‬أوصانا‭ ‬به‭ ‬ليكون‭ ‬تمام‭ ‬وكمال‭ ‬جزء‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭.... ‬

عذرا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ... ‬سامحنى‭ ‬يا‭ ‬حبيبى‭ ... ‬سوف‭ ‬أتواصل‭ ‬معك‭ ‬ثانية‭ ‬قريبا‭.. ‬كلى‭ ‬وبعضى‭ ‬معك‭ ‬ومع‭ ‬ربك‭.. ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يأخذنى‭ ‬منكما‭ ‬ثانية‭ ‬لا‭ ‬حتى‭ ‬هموم‭ ‬الوطن‭ ‬ولا‭ ‬حبه‭... ‬لأننى‭ ‬استغيث‭ ‬بك‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭.. ‬بعد‭ ‬ملاذى‭ ‬بالله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬تهل‭ ‬البركة‭ ‬على‭ ‬ارض‭ ‬المحروسة‭... ‬على‭ ‬أرض‭ ‬أهل‭ ‬بيتك‭.. ‬راجية‭ ‬شفاعتك‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة‭.... ‬راجية‭ ‬شفاعتك‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬المصريون‭ ‬لأنفسهم‭... ‬التى‭ ‬ضاعت‭ ‬وغابت‭ ‬حين‭ ‬انشغلت‭ ‬شأنها‭ ‬شأنى‭ ‬عن‭ ‬الصلاة‭ ‬عليك‭ ‬وعن‭ ‬ذكرك‭ ‬وذكر‭ ‬ربك‭... ‬والرد‭ ‬على‭ ‬أعداءك‭ ... ‬بالتفرغ‭ ‬الكامل‭ ‬لكما‭ .. ‬بإعلاء‭ ‬الأصوات‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬العبادات‭.. ‬التى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يؤرق‭ ‬أعداءك‭ ‬سواها‭ .. ‬وقد‭ ‬تمكنوا‭ ‬اليوم‭ ‬بإشغالنا‭ ‬عنكم‭ ‬بالفعل‭... ‬بأسباب‭ ‬الخلاف‭ ‬على‭ ‬أشكاله‭ .. ‬لتكون‭ ‬هذه‭ ‬هى‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة‭ ‬ضعف‭ ‬الإيمان‭ ‬الذى‭ ‬وصلنا‭ ‬إليه‭.... ‬

ومن‭ ‬الصعوبة‭ ‬البالغة‭ ‬أن‭ ‬نجمل‭ ‬فى‭ ‬سطور‭ ‬أو‭ ‬نحيط‭ ‬فى‭ ‬صفحات‭ ‬سجل‭ ‬الحبيب‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬بما‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬العظمة‭... ‬التى‭ ‬تجاوزت‭ ‬كل‭ ‬حد‭... ‬اخترقت‭ ‬كل‭ ‬سد‭.. ‬قال‭ ‬تعالى‭ : ‬‮«‬قُلْ‭ ‬إِنَّمَا‭ ‬أَنَا‭ ‬بَشَرٌ‭ ‬مِّثْلُكُمْ‭ ‬يُوحَى‭ ‬إِلَيَّ‭ ‬أَنَّمَا‭ ‬إِلَهُكُمْ‭ ‬إِلَهٌ‭ ‬وَاحِدٌ‭ ‬فَمَن‭ ‬كَانَ‭ ‬يَرْجُو‭ ‬لِقَاء‭ ‬رَبِّهِ‭ ‬فَلْيَعْمَلْ‭ ‬عَمَلا‭ ‬صَالِحًا‭ ‬وَلا‭ ‬يُشْرِكْ‭ ‬بِعِبَادَةِ‭ ‬رَبِّهِ‭ ‬أَحَدًا‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭... ‬

فالحديث‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬أمر‭ ‬شاق‭ ‬للغاية‭ ... ‬لكثرة‭ ‬الزوايا‭ ‬التى‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نتناولها‭ ‬عنه‭ ‬وعن‭ ‬شخصه‭ ‬الكريم‭.. ‬وعن‭ ‬أثره‭ ‬الذى‭ ‬تركه‭ ‬للإنسانية‭ ‬ومازال‭ ‬يذكر‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الساعة‭... ‬ويكفينا‭ ‬شرفا‭ ‬أن‭ ‬نجوب‭ ‬فى‭ ‬ساحته‭ ... ‬وأن‭ ‬نتعطر‭ ‬بذكر‭ ‬اسمه‭ ... ‬وببث‭ ‬منهجه‭ ‬ورسالته‭... ‬

لذلك‭ ‬يشرفنى‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬نقطة‭ ‬محددة‭ .. ‬جالت‭ ‬فى‭ ‬ذهنى‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ... ‬مع‭ ‬كثرة‭ ‬المشكلات‭ ‬التى‭ ‬تواجهها‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬و‭ ‬القضايا‭ ‬التى‭ ‬كادت‭ ‬أن‭ ‬تغرق‭ ‬فيها‭ ...... ‬

‭(‬علما‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأولى‭ ‬فلقد‭ ‬كتبت‭ ‬عنه‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬مؤلفات‭ ‬عدة‭... ‬حاولت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬أستجمع‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬عظمته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سيرته‭ ‬النبوية‭ ‬الشريفة‭... ‬

أما‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ .. ‬أكتب‭ ‬بصيغة‭ ‬أخرى‭ .. ‬ومن‭ ‬زاوية‭ ‬جديدة‭... ‬فلقد‭ ‬اخترت‭ ‬عنوانا‭ ‬يحمل‭ ‬سؤالا‭ ‬وهو‭ : ‬

هل‭ ‬كان‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬رجل‭ ‬دولة؟؟‭!!.... ‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬رجل‭ ‬دعوة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬مسئوليات‭ ‬تتعلق‭ ‬بتبعاتها‭ ... ‬فلقد‭ ‬بلغ‭ ‬الرسالة‭ ‬وأدى‭ ‬الأمانة‭ ‬ونصح‭ ‬الأمة‭ ‬حتى‭ ‬كشف‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬الغمة‭... ‬فتركها‭ ‬على‭ ‬المحجة‭ ‬البيضاء‭ ‬ليلها‭ ‬كأنهارها‭ ‬لا‭ ‬يزيغ‭ ‬عنها‭ ‬إلا‭ ‬هالك‭... ‬

وبينما‭ ‬يجول‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬فى‭ ‬خاطرى‭ .. ‬توقفت‭ ‬عند‭ ‬كلمة‭ ‬عبر‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬المستشرقين‭... ‬عما‭ ‬اتصف‭ ‬به‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬وعرف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ..‬‭ ‬فقال‭ ‬فى‭ ‬حقه‭ ‬‮«‬ستروثمان‮»‬‭: ‬‮«‬‭ ‬الإسلام‭ ‬ظاهرة‭ ‬دينية‭ ‬سياسية،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬مؤسسه‭ ‬كان‭ ‬نبيًّا،‭ ‬وكان‭ ‬سياسيًّا‭ ‬حكيمًا‭  ‬أو‭ ‬رجل‭ ‬دولة‮»‬‭.... ‬

مما‭ ‬دفعنى‭ ‬إلى‭ ‬التوغل‭ ‬فى‭ ‬معرفة‭ ‬الصفات‭ ‬التى‭ ‬تحلى‭ ‬بها‭ ‬والقدرات‭ ‬التى‭ ‬اتصف‭ ‬بها‭ ‬والمهارات‭ ‬التى‭ ‬جبل‭ ‬عليها‭... ‬والمواقف‭ ‬التى‭ ‬تشهد‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬بحق‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معان‭... ‬

وخاصة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬كما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والحكماء‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬المستشرقين‭ ‬الذين‭ ‬أيدوه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النبى‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬بحق‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ..‬‭. ‬ومن‭ ‬أمثالهم‭: ‬

‮«‬فتزجرالد‮»‬‭ ‬الذى‭ ‬قال‭: ‬‮«‬‭ ‬ليس‭ ‬الإسلام‭ ‬دينًا‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكنه‭ ‬نظام‭ ‬سياسى‭ ‬أيضًا‮»‬‭...  ‬

‮«‬نلينو‮»‬‭ : ‬‮«‬‭ ‬لقد‭ ‬أسس‭ ‬محمد‭ ‬فى‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬دينًا‭ ‬ودولة،‭ ‬وكانت‭ ‬حدودهما‭ ‬متطابقة‭ ‬طوال‭ ‬حياته‮»‬‭... ‬

‭ ‬‮«‬‭ ‬‮«‬توماس‭ ‬أرنولد‮»‬‭: ‬‮«‬كان‭ ‬النبى‭ ‬فى‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬رئيسًا‭ ‬للدين،‭ ‬ورئيسًا‭ ‬للدولة‭ ‬

‭ ‬ويزيد‭ ‬‮«‬شاخت‮»‬‭ ‬فى‭ ‬وصف‭ ‬الإسلام‭... ‬‮«‬بأنه‭ ‬دين‭ ‬بالمفهوم‭ ‬المعروف‭ ‬فى‭ ‬الغرب‭... ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬أيضا‭ ‬نظريات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‮»‬‭... ‬

أما‭ ‬‮«‬ماك‭ ‬دوناك‮»‬‭... ‬فيقول‭: ‬‮«‬هنا‭ (‬يقصد‭ ‬المدينة‭) ‬تكونت‭ ‬الدولة‭ ‬الاسلامية‭ ‬الأولى‭ ‬ووضعت‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬للقانون‭ ‬الإسلامي‮»‬‭... ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬جب‮»‬‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الإسلام‭ ‬التى‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العقائد‭ ‬الدينية‭ ‬والشعائر‭ ‬التعبدية‭ ‬وبين‭ ‬تنظيم‭ ‬المجتمع‭ ‬وبين‭ ‬تحديد‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أفراده‭... ‬فيقول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الاسلام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬عقائد‭ ‬دينية‭ ‬فردية‭ ‬وإنما‭ ‬استوجب‭ ‬إقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬مستقل‭ .. ‬له‭ ‬أسلوبه‭ ‬المعين‭ ‬فى‭ ‬الحكم‭ ‬وله‭ ‬قوانينه‭ ‬وأنظمته‭ ‬الخاصة‮»‬‭...  ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬المقولات‭ ‬التى‭ ‬اعتمدنا‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬صنف‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬وقف‭ ‬أمام‭ ‬شخصية‭ ‬الرسول‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬منبهرا‭ ‬بها‭ ‬ومتأثرا‭ ... ‬تؤكد‭ ‬طبيعة‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وما‭ ‬اتصف‭ ‬به‭ ‬الرسول‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭... ‬

وإذا‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نكشف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المواقف‭ ‬التى‭ ‬تجسد‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإنها‭ ‬من‭ ‬الكثرة‭ ‬التى‭ ‬يصعب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحصيها‭ ‬لذا‭ ‬سنقتصر‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬منها‭.. ‬

الهجرة‭ ‬النبوية‭ ‬الشريفة‭... ‬والتى‭ ‬كانت‭ ‬بحق‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬وبها‭ ‬بدا‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬طورا‭ ‬جديدا‭ ‬لم‭ ‬يسبقه‭ ‬إليه‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل‭... ‬

هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬التطور‭ ‬السياسى‭... ‬

لقد‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬لمحمد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الرسول‭ ‬السياسى‭ ‬والمجاهد‭ ‬والفاتح‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬الذى‭ ‬وضع‭ ‬أسس‭ ‬الحضارة‭ ‬الكفيلة‭ ‬بسعادة‭ ‬العالمين‭... ‬فكل‭ ‬الأحداث‭ ‬التى‭ ‬جرت‭ ‬فى‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬تخطيط‭ ‬وإعداد‭ ‬وتوزيع‭ ‬للأدوار‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬الذى‭ ‬يضع‭ ‬الأمور‭ ‬فى‭ ‬نصابها‭ ‬ويدرك‭ ‬إمكانات‭ ‬من‭ ‬حوله‭.. ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬توظيفها‭ ... ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬الجميع‭... ‬

أما‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الذى‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬محددة‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭ ‬وما‭ ‬يدعو‭ ‬له‭ .... ‬فلقد‭ ‬حرص‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المسجد‭ ‬والذى‭ ‬يمثل‭ ‬العنوان‭ ‬لدولة‭ ‬الإسلام‭... ‬والذى‭ ‬تحققت‭ ‬بدورها‭ ‬فى‭ ‬المدينة‭... ‬

‭ ‬المسجد‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬عظيم‭ ‬فى‭ ‬نشر‭ ‬الدعوة‭ ‬وفى‭ ‬تلقى‭ ‬دروس‭ ‬العلم‭ ‬وفى‭ ‬جمع‭ ‬الناس‭ ... ‬فكان‭ ‬بمثابة‭ ‬مجلس‭ ‬للشورى‭ ‬ودار‭ ‬للقضاء‭ ‬ومركزا‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرارت‭ ‬وجامعة‭ ‬لمختلف‭ ‬العلوم‭ ‬ومدرسة‭ ‬لتحفيظ‭ ‬القرآن‭ ‬صغارا‭ ‬وكبار‭ ‬ودارا‭ ‬للفتوى‭ ‬وبيتا‭ ‬للتضامن‭ ‬الاجتماعى‭ ‬بمفهومه‭ ‬الشامل‭ ‬والواسع‭ ‬والكبير‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليها‭ ‬المساجد‭ ‬الآن‭... ‬

ويا‭ ‬حزنى‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬لما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬المسجد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬بوقا‭ ‬للتفريق‭ ‬وتشتيت‭ ‬الأمة‭ .. ‬فلقد‭ ‬تسبب‭ ‬أعداء‭ ‬الإسلام‭ ‬فى‭ ‬سلب‭ ‬المسجد‭ ‬لدوره‭ ‬الحيوى‭ ‬والمحورى‭ ‬شكلا‭ ‬وموضوعا‭ ... ‬شكلا‭ ‬كبيتا‭ ‬للمسلمين‭ ‬ومظهرا‭ ‬لمظاهر‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭... ‬وموضوعا‭ ‬بأن‭ ‬أصبح‭ ‬قنبلة‭ ‬موقوتة‭ ‬ممنوع‭ ‬الاقتراب‭ ‬ممنوع‭ ‬اللمس‭ ‬حين‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬النفوس‭ ‬العميلة‭ ‬أو‭ ‬النفوس‭ ‬الجاهلة‭ ‬بأمور‭ ‬الدين‭ ‬فأصبح‭ ‬قاصرا‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭.... ‬

‭ ‬كما‭ ‬سعى‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬والإخاء‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭.. ‬وخاصة‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬طبقات‭ ‬متباينة‭ ‬والبون‭ ‬بينهم‭ ‬كبير‭... ‬كما‭ ‬كان‭ ‬فيهم‭ ‬الأبيض‭ ‬والأسود‭... ‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬حروبا‭ ‬ضروسا‭ ‬قد‭ ‬وقعت‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬التى‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لها‭ ‬الإسلام‭ .. ‬فكان‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الضرورية‭ ‬والحكم‭ ‬النبوية‭ ‬البالغة‭ ‬أن‭ ‬يؤسس‭ ‬للدولة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبدأ‭ ‬الإخاء‭... ‬حتى‭ ‬تذوب‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الصراعات‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬يدور‭ ‬رحاها‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ... ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬صراعات‭ ‬دموية‭ ‬مبعثها‭ ‬عصبيات‭ ‬قبلية‭ ‬أو‭  ‬كانت‭ ‬صراعات‭ ‬طبقية‭ ‬تقسم‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬أسياد‭ ‬وعبيد‭... ‬

لقد‭ ‬نجح‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬النبى‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬فى‭ ‬صهر‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬المتباينة‭ ‬فى‭ ‬بوتقة‭ ‬الإسلام‭ ‬ليصبح‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭ .. ‬‮«‬لا‭ ‬فضل‭ ‬لعربى‭ ‬على‭ ‬أعجمى‭ ‬إلا‭ ‬بالتقوى‮»‬‭.... ‬

لقد‭ ‬أزالت‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بقيادة‭ ‬زعيمها‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬التمييز‭ ‬والعنصرية‭ ‬والهمجية‭ ‬والجاهلية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭..‬‭ ‬

وبكل‭ ‬أسف‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬نفتقده‭ ‬اليوم‭... ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يحاول‭ ‬أعداء‭ ‬الإسلام‭ ‬لنيل‭ ‬من‭ ‬النبى‭ ‬محمد‭.. ‬ولا‭ ‬أدرى‭ ‬كيف‭ ‬هذه‭ ‬الجرأة‭ ‬وهذا‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المغالطة‭ ‬‭.. ‬ومحاولات‭ ‬النيل‭ .. ‬أو‭ ‬حين‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يصفوه‭ ‬بما‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يسقطوا‭ ‬عليه‭ ‬عيوبا‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬فى‭ ‬شىء‭ ‬حين‭ ‬يصفونه‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ .. ‬غافلين‭ ‬خطاياهم‭ ‬وقصورهم‭ ‬وعنصريتهم‭ ... ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬النبى‭ ‬حقق‭ ‬ما‭ ‬عجزت‭ ‬عنه‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ومجالس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ومنظمات‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ .... ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التى‭ ‬تدعى‭ ‬أنها‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ... ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬التى‭ ‬يتشدقون‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬بطون‭ ‬خالية‭ ‬وأنفس‭ ‬غاوية‭.... ‬

سلمت‭ ‬وغنمت‭ ‬وبوركت‭ ‬يا‭ ‬خير‭ ‬الخلق‭ ‬والبرية‭ .. ‬يا‭ ‬من‭ ‬جمعت‭ ‬الأمة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬قلب‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭..... ‬

فكنت‭ ‬أنت‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أحقاد‭ ‬أعدائك‭ ‬واستهزائهم‭... ‬سبحان‭ ‬الله‭ ‬كلما‭ ‬حاولوا‭ ‬النيل‭ ‬منه‭ ... ‬كلما‭ ‬طالهم‭ ‬الانقسام‭ ‬والشقاق‭ ‬والفشل‭ .. ‬وأوضح‭ ‬صور‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التى‭ ‬يحاولون‭ ‬إلصاقها‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭... ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الهجرة‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬للإسلام‭ ‬الدولة‭ .. ‬فقد‭ ‬استطاعت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخصية‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬القائد‭ ‬السياسى‭ ‬المحنك‭ ‬الذى‭ ‬احتوى‭ ‬سائر‭ ‬الخلافات‭ ‬والفجوات‭ ‬والفرقات‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬أصحابه‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭... ‬

فقد‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬مبدأ‭ ‬عالميا‭ ‬وهو‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭... ‬أو‭ ‬فيما‭ ‬يعرف‭ ‬الآن‭ ‬‮«‬بالمواطنة‭.. ‬فأقام‭ ‬من‭ ‬المواثيق‭ ‬والعهود‭ ‬مع‭ ‬الطوائف‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬فى‭ ‬المدينة‭ ‬بخلاف‭ ‬المسلمين‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والنماء‭ ‬لأهل‭ ‬المدينة‭.... ‬فاتخذ‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬والخطوات‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬‮«‬السلم‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬بمفهومه‭ ‬الشامل‭ ‬العام‭ ‬الذى‭ ‬يتحقق‭ ‬معه‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعى‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الإسلام‭ ‬بالمدينة‭... ‬وعرفت‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬المهمة‭ ‬والبالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬وثيقة‭ ‬المدينة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تعرف‭ ‬به‭ ‬الآن‭ ‬بدستور‭ ‬المدينة‭.... ‬والتى‭ ‬هى‭ ‬نص‭ ‬دستورى‭ ‬مهم‭... ‬فى‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية‭ ... ‬

كما‭ ‬استطاعت‭ ‬تلك‭ ‬الوثيقة‭ ‬أن‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مواطنى‭ ‬المدينة‭ ‬بمختلف‭ ‬دياناتهم‭ ... ‬وقبائلهم‭ ‬وأعرافهم‭... ‬

وتعجبنى‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬التى‭ ‬سجلها‭ ‬الدكتور‭ ‬ضياء‭ ‬الدين‭ ‬الريس‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬النظرية‭ ‬الإسلامية‭ ‬السياسية‮»‬‭.. ‬والتى‭ ‬تكشف‭ ‬بحق‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الإسلام‭ ‬كدين‭ ‬ودولة‭ ... ‬وتؤكد‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬صاحبها‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬الذى‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬الدينية‭ ‬والقيادة‭ ‬السياسية‭... ‬فيقول‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭: ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الذى‭ ‬أقامه‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬‮«‬‭ ‬والمؤمنون‭ ‬معه‭ ‬بالمدينة‭ ‬إذا‭ ‬نظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬مظهره‭ ‬العملى‭ ‬وقيس‭ ‬بمقاييس‭ ‬السياسة‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬سياسى‭.. ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تؤديه‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معانى‮»‬‭.... ‬

بل‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬من‭ ‬يعود‭ ‬بالأحداث‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬ويجعل‭ ‬ما‭ ‬أقامه‭ ‬النبى‭ ‬فى‭ ‬المدينة‭ ‬قبيل‭ ‬حجرته‭ ‬من‭ ‬بيعتين‭ ‬اللتين‭ ‬عرفتا‭ ‬فى‭ ‬التاريخ‭ ‬ببيعة‭ ‬العقبة‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬كانتا‭ ‬أكبر‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬الدولة‮»‬‭... ‬

لذلك‭ ‬لا‭ ‬يمارى‭ ‬أحد‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬البيعتين‭ ‬كانتا‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬فى‭ ‬حياة‭ ‬الإسلام‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الهجرة‭ ‬إلا‭ ‬إحدى‭ ‬النتائج‭ ‬التى‭ ‬ترتبت‭ ‬عليهما‭ ... ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬الهجرة‭ ‬وما‭ ‬سبقه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ولحقه‭ ‬من‭ ‬أثار‭ ‬يكرس‭ ‬لوصف‭ ‬النبى‭ ‬بأنه‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ... ‬

فهناك‭ ‬موقف‭ ‬آخر‭... ‬تكشف‭ ‬الغطاء‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬شخصيته‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ .. ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬الذى‭ ‬أبرزه‭ ‬‮«‬إبرام‭ ‬عقد‭ ‬صلح‭ ‬الحديبية‮»‬‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬مثالا‭ ‬يجسد‭ ‬المهارة‭ ‬السياسية‭ ‬والقدرات‭ ‬النبوية‭ ‬فى‭ ‬التفاوض‭ ‬حتى‭ ‬أرغم‭ ‬قريش‭ ‬على‭ ‬إتمام‭ ‬صلح‭ ‬الحديبية‭... ‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬انتوى‭ ‬أداء‭ ‬العمرة‭ ‬هو‭ ‬ومن‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬أصحابه‭ ‬الذين‭ ‬بلغوا‭ ‬الفا‭ ‬وأربعمائة‭ ... ‬وكان‭ ‬معهم‭ ‬الهدى‭ ‬وقد‭ ‬ارتدوا‭ ‬زى‭ ‬الإحرام‭ ‬وكانوا‭ ‬فى‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬الأشهر‭ ‬الحرم‭... ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬دفع‭ ‬المشركين‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬لهم‭ ‬بدخول‭ ‬مكة‭ ‬وأداء‭ ‬هذه‭ ‬العبادة‭ ‬المقدسة‭ .... ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬النبى‭ ‬وبين‭ ‬صناديد‭ ‬الشرك‭.. ‬ورغم‭ ‬عدم‭ ‬استيعاب‭ ‬بعض‭ ‬الصحابة‭ ‬الكرام‭ ‬الشروط‭ ‬التى‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أبرزت‭ ‬وبشكل‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬سياسى‭ ‬ماهر‭ ‬استطاع‭ ‬بما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬سياسى‭ ‬وعمق‭ ‬إيمانى‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬ويحرز‭ ‬نجاحا‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثره‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭.... ‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬مع‭ ‬درس‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭.... ‬وهو‭ ‬الثقة‭ ‬فى‭ ‬القيادة‭ ‬والانصياع‭ ‬لها‭.... ‬

فلقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحادثة‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬القائد‭ ‬المحنك‭ ‬الذى‭ ‬استوعب‭ ‬جنوده‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يدركوا‭ ‬الغايات‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التى‭ ‬اتخذت‭ ‬والبنود‭ ‬التى‭ ‬سجلت‭ ‬بشأن‭ ‬الصلح‭.... ‬

لقد‭ ‬أعطى‭ ‬النبى‭ ‬مثالا‭ ‬حيا‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬صفة‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬يعهدها‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬قبل‭... ‬وهى‭ ‬حرصه‭ ‬البالغ‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬السلمى‭ ‬ونبذه‭ ‬للعنف‭ ‬والحرب‭... ‬كما‭ ‬أبرز‭ ‬عن‭ ‬هجوم‭ ‬بسلاح‭ ‬لم‭ ‬يعهد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬سلاح‭ ‬السلام‮»‬‭...‬

فكان‭ ‬هجوم‭ ‬النبى‭ ‬بالسلام‭ ‬عمقا‭ ‬لم‭ ‬يستوعب‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬معه‭ ... ‬ولقد‭ ‬سجل‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬لنبيه‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬وأشاد‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يمتمع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬الإدارة‭ ‬والصبر‭ ‬والتحمل‭ ‬للآخرين‭... ‬فأعطى‭ ‬النموذج‭ ‬والقدوة‭ ‬فى‭ ‬القيادة‭ ‬الناجحة‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬فبما‭ ‬رحمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬لنت‭ ‬لهم‭ ‬ولو‭ ‬كنت‭ ‬فظا‭ ‬غليظ‭ ‬القلب‭ ‬لانفضوا‭ ‬من‭ ‬حولك‭ ‬فاعف‭ ‬عنهم‭ ‬واستغفر‭ ‬لهم‭ ‬وشاورهم‭ ‬فى‭ ‬الأمر‭ ‬فإذا‭ ‬عزمت‭ ‬فاتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‮»‬‭... ‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬أسلحة‭ ‬نبى‭ ‬الإسلام‭.. ‬نبى‭ ‬السلام‭.. ‬الذى‭ ‬يتهم‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬أن‭ ‬دعوته‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬السيف‭.. ‬فلقد‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬السلمى‭ ‬منهجا‭ ‬ومنهاجا‭ ‬وسبيلا‭ ‬ومن‭ ‬السلام‭ ‬درعا‭ ‬واقيا‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬التعايش‭ ‬السلمى‭ ‬وما‭ ‬جرى‭ ‬لأمته‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬إنما‭ ‬لبعدهم‭ ‬عن‭ ‬منهجه‭ ‬هذا‭..  ‬ببعد‭ ‬السنين‭... ‬بعد‭ ‬يفوق‭ ‬عدد‭ ‬الليالى‭ ‬والأشهر‭ ‬والأحداث‭... ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أننى‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الرسالة‭ ‬بدأ‭ ‬يتلاشى‭ ‬ويدخل‭ ‬فى‭ ‬طى‭ ‬النسيان‭ ... ‬بما‭ ‬أصبح‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬أمته‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬ودماء‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الأمة‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬أعداء‭ ‬الإسلام‭ ‬والسلام‭... ‬أعداء‭ ‬القرآن‭ .. ‬أعداء‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الأرض‭... ‬

لقد‭ ‬أجملت‭ ‬تلك‭ ‬الآيات‭ ‬الصفات‭ ‬التى‭ ‬كان‭ ‬يتحلى‭ ‬بها‭ ‬النبى‭ ‬فى‭ ‬قيادته‭ ‬للأمة‭ ‬والتى‭ ‬جمع‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬الحزم‭ ‬وبين‭ ‬الرأفة‭ ‬والرحمة‭... ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭  ‬التأسيسية‭ ‬للفكر‭ ‬السياسى‭ ‬المعاصر‭ ‬وهى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬‮«‬فيما‭ ‬عرف‭ ‬لدينا‭ ‬بالشورى‮»‬‭ ‬التى‭ ‬حققها‭ ‬النبى‭ ‬فى‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف‭ ‬فى‭ ‬السلم‭ ‬والحرب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الآحاد‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الأمة‭...‬

‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الخباب‭ ‬بن‭ ‬المنذر‭ ‬عنا‭ ‬ببعيد‭ ‬الذى‭ ‬سأل‭ ‬النبى‭ ‬فى‭ ‬غزوة‭ ‬بدر‭ ‬عندما‭ ‬أرادوا‭ ‬النزول‭ ‬بجوار‭ ‬بئر‭ ‬بدر‭... ‬قال‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ : ‬أهو‭ ‬أمر‭ ‬أنزلك‭ ‬الله‭ ‬أياه‭ ‬أم‭ ‬إنها‭ ‬الحرب‭ ‬والرأى‭ ‬والمكيدة؟؟‭!!... ‬فقال‭ ‬له‭ ‬النبى‭: ‬‮«‬بل‭ ‬هو‭ ‬الحرب‭ ‬والرأى‭ ‬والمكيدة‮»‬‭..‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشورى‭ ‬تحققت‭ ‬فى‭ ‬مواقف‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭... ‬من‭ ‬حياة‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬مع‭ ‬أصحابه‭ ... ‬ومن‭ ‬أمثال‭ ‬ذلك‭ ‬حفر‭ ‬الخندق‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬مقترحا‭ ‬قدمه‭ ‬أحد‭ ‬أصحاب‭ ‬النبى‭ ‬الذى‭ ‬عرف‭ ‬عنه‭ ‬بأنه‭ ‬صاحب‭ ‬خبرة‭ ‬نوعية‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭.... ‬

لقد‭ ‬استطاع‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬بما‭ ‬أوتى‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬أن‭ ‬يجذب‭ ‬أصحابه‭ ‬حوله‭ ‬وينقادوا‭ ‬جميعا‭ ‬إليه‭ ‬ولعل‭ ‬السر‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الانقياد‭ ‬التام‭ ‬له‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يكمن‭ ‬فى‭ ‬بساطته‭ ‬مع‭ ‬دقته‭ ‬وصدقه‭ ‬فى‭ ‬الوعود‭ ‬وتفانيه‭ ‬وإخلاصه‭ ‬لمن‭ ‬حوله‭ ‬وشجاعته‭ ‬مع‭ ‬ثقته‭ ‬المطلقة‭ ‬فى‭ ‬ربه‭ ‬وفى‭ ‬رسالته‭... ‬

أما‭ ‬الشورى‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬فقد‭ ‬فهمت‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬حقيقتها‭ ‬واستخدمت‭ ‬فى‭ ‬غير‭ ‬معناها‭ ‬لأنها‭ ‬تقتضى‭ ‬أن‭ ‬يتقدم‭ ‬الخبراء‭ ‬والمختصين‭ ‬دون‭ ‬سواهم‭ ‬ممن‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬دراية‭ ‬أو‭ ‬معرفة‭ ‬بدقائق‭ ‬الأمور‭... ‬وحقائق‭ ‬الأشياء‭.. ‬فيقومون‭ ‬بمناطحة‭ ‬ومنافحة‭ ‬المسئولين‭ ‬وأصحاب‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭... ‬مما‭ ‬يفسد‭ ‬الأمر‭ ‬برمته‭ ... ‬ولا‭ ‬يتبقى‭ ‬سوى‭ ‬الفوضى‭ ‬والعبث‭ ‬الفكرى‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ضياع‭ ‬الحقيقة‭ ‬وتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬غياب‭ ‬القرار‭....  ‬

هذه‭ ‬هى‭ ‬الصفات‭ ‬التى‭ ‬مهدت‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬لتخطى‭ ‬المصاعب‭ ‬وتجاوز‭ ‬الأزمات‮»‬‭... ‬

لذلك‭ ‬نقول‭ : ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الإسلام‭ ‬دين‭ ‬ودولة‭ ‬فلقد‭ ‬كان‭ ‬حامل‭ ‬الرسالة‭ ‬النبى‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ .... ‬ولقد‭ ‬كثرت‭ ‬الآيات‭ ‬البينات‭ ‬التى‭ ‬أكلمت‭ ‬القواعد‭ ‬وبينت‭ ‬بنود‭ ‬التعاقد‭ ‬بين‭ ‬الرعية‭ ‬وبين‭ ‬الرعاه‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الأمة‭ ... ‬وبين‭ ‬الأمة‭ ‬وبين‭ ‬أولى‭ ‬الأمر‭ ‬منها‭ .... ‬

فيقول‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭:‬‮»‬‭ ‬وَمَا‭ ‬اخْتَلَفْتُمْ‭ ‬فِيهِ‭ ‬مِن‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬فَحُكْمُهُ‭ ‬إِلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬‮«‬ذَٰلِكُمُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬رَبِّى‭ ‬عَلَيْهِ‭ ‬تَوَكَّلْتُ‭ ‬وَإِلَيْهِ‭ ‬أُنِيبُ‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الشورى‭... ‬

وكذلك‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُواْ‭ ‬أَطِيعُواْ‭ ‬اللّهَ‭ ‬وَأَطِيعُواْ‭ ‬الرَّسُولَ‭ ‬وَأُوْلِى‭ ‬الأَمْرِ‭ ‬مِنكُمْ‭ ‬فَإِن‭ ‬تَنَازَعْتُمْ‭ ‬فِى‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬فَرُدُّوهُ‭ ‬إِلَى‭ ‬اللّهِ‭ ‬وَالرَّسُولِ‭ ‬إِن‭ ‬كُنتُمْ‭ ‬تُؤْمِنُونَ‭ ‬بِاللّهِ‭ ‬وَالْيَوْمِ‭ ‬الآخِرِ‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬خَيْرٌ‭ ‬وَأَحْسَنُ‭ ‬تَأْوِيلاً‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬النساء‭..... ‬

لقد‭ ‬استطاع‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة‭ ‬والتوازن‭ ‬الفريد‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإنسانى‭ ‬أو‭ ‬الميدانى‭ ‬ليضرب‭ ‬المثل‭ ‬فى‭ ‬قدرة‭ ‬القائد‭ ‬الفذ‭ ‬فى‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬وتجاوز‭ ‬الأزمات‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أشاد‭ ‬به‭ ‬المفكر‭ ‬والكاتب‭ ‬السياسى‭ ‬المعروف‭ ‬‮«‬برناردو‭ ‬شو‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬قال‭: ‬‮«‬ما‭ ‬أحوج‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬لرجل‭ ‬كمحمد‭ ‬يحل‭ ‬مشكلاته‭ ‬المختلفة‭ ‬وهو‭ ‬يشرب‭ ‬فنجانا‭ ‬من‭ ‬القهوة‮»‬‭ .... ‬

وفى‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬تعانيه‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬الإسلامى‭ ‬والعربى‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬ومشكلات‭ ‬تكاد‭ ‬معه‭ ‬أن‭ ‬تطمس‭ ‬هويتها‭ ‬وأن‭ ‬تسقط‭ .... ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مشكلات‭ ‬إقليمية‭ ‬أو‭ ‬داخلية‭ ‬فأولى‭ ‬بالأمة‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المحن‭ ‬والإحن‭ ‬الشديدة‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬والبصر‭.. ‬فى‭ ‬استلهام‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬وأمته‭ ‬فى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬وتجاوز‭ ‬النكبات‭...‬

‭ ‬فلقد‭ ‬جعله‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬القدوة‭ ‬الحسنة‭ ‬والأسوة‭ ‬الطيبة‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬شأنا‭ ‬من‭ ‬شئون‭ ‬حياتنا‭... ‬قال‭ ‬تعالى‭:‬‮»‬لقد‭ ‬كان‭ ‬لكم‭ ‬فى‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬أسوة‭ ‬حسنة‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬يرجو‭ ‬الله‭ ‬واليوم‭ ‬الآخر‭...‬‮»‬‭.... ‬

فأولى‭ ‬بالأمة‭ ‬أن‭ ‬تستلهم‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬نبيها‭ ‬ومن‭ ‬قيادته‭ ‬الفذة‭ ‬للأمة‭ ‬سبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬واتحاد‭ ‬وقوة‭ ‬واعتصام‭ ‬ومناعة‭ ‬وتماسك‭... ‬

وهذا‭ ‬غيض‭ ‬من‭ ‬فيض‭ ‬حياة‭ ‬نبينا‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬كرجل‭ ‬دولة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تفوق‭ ‬كرجل‭ ‬دعوة‭.... ‬

أُضيفت في: 3 ديسمبر (كانون الأول) 2016 الموافق 3 ربيع أول 1438
منذ: 1 شهر, 16 أيام, 2 ساعات, 31 دقائق, 44 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

42997
  • http://www.elzmannews.com/t~50008
http://www.elzmannews.com/t~50008
http://www.elzmannews.com/t~50012 http://www.elzmannews.com/t~49954
http://www.elzmannews.com/t~51033 http://www.elzmannews.com/t~51034 http://www.elzmannews.com/t~48734
http://www.elzmannews.com/t~47487

استطلاع الرأي

هل أنت راضِ عن أداء الحكومة
http://www.elzmannews.com/t~50113
MT
جميع الحقوق محفوظة 2016 © - جريدة الزمان