«الزمان» تدق ناقوس الخطر..
أهالي: أُصبنا بأمراض صدرية مزمنة.. ونسعى لترك بيوتنا خوفًا على الأطفال

«الزمان» تدق ناقوس الخطر..
مصانع تدوير عظام الحيوانات تهدد حياة مليونى مواطن بشبرا
أهالٍ: أصبنا بأمراض صدرية مزمنة.. ونسعى لترك بيوتنا خوفًا على الأطفال
وزارة البيئة: الدخان الناتج به سموم شديدة الخطورة
مصطفى شاهين - هانى عبد السلام
عند دخولك مدينة القاهرة، وتحديدًا موقف «عبود» المخصص للأتوبيسات وسيارات الأجرة الخاصة بالمحافظات، تستقبلك رائحة كريهة ونفاذة قد تصيب أصحاب الأمراض الصدرية وكبار السن باختناق أو إغماء.
وعبثا حاول الأهالى وسكان المنطقة ورواد المحافظات اكتشاف لغز تلك الرائحة الخانقة دون جدوى، فالمصدر مجهول والرائحة مستمرة، والمسئولون فى غيبوبة..
«الزمان» استطاعت أن تقوم بمغامرة حول المنطقة، وتكتشف غموض تلك الرائحة التى تهدد ما يقرب من مليونى مواطن يسكنون مدينة «شبرا الخيمة» بمحافظة القليوبية.
المفاجأة التى اكتشفناها أن المصنع الذى تخرج منه تلك الروائح الملوثة والقاتلة يقع على بعد أمتار قليلة من كوبرى عبود فى نطاق مدينة شبرا الخيمة، وهو عبارة عن مصنع لإنتاج «الغراء السائحة»، وكذلك إنتاج "الزراير" التى قد نكون نستعمل أحدها فى ملابسنا دون أن ندرى أنها مصنعة من عظام حيوانات نافقة.
المصنع يعمل منذ سنوات طويلة وسط أشجار ضخمة، ولا يعرف أحد هويته، علمًا بأنه مخالف للقواعد والقوانين البيئية لكونه ضارًا بصحة الإنسان، بل إن هناك قرارات عديدة قبل أحداث 25 يناير بنقل المصنع إلى مدينة «الخانكة الصناعية»، وجميعها صادرة من حى غرب شبرا.
توجهنا للمنطقة التى يوجد فيها المصنع، وبدأنا فى مخاطبة الأهالى هناك، كيف يعيشون وسط هذه الرائحة الكريهة؟
وبسؤال أحد الأهالى عن هذا المصنع كان مثل «الغريق الذى يتعلق بقشة»، حيث بدأ حديثه قائلًا: "أنقذوا أولادنا من هذا الوباء فنحن أهالى المنطقة نعانى من الدخان والروائح الكريهة والأمراض الصدرية المزمنة، التى أصبحت مرضًا ملازمًا لنا أين نذهب، ورفعنا شكاوى للمسئولين ولم نجد من ينقذنا، فأولادنا يموتون كل يوم».
وبنظرة حزينة ولهفة فى التساؤل من أجل أن تنتهى من معاناتها قالت الحاجة «إيمان. س»، والتى سردت لنا قصتها: «أستحلفكم بالله اعملو حاجة علشان المصنع ده يبعد من هنا، تعبنا وأولادنا تعبت وخلاص نعمل أيه؟ ولا أحد يهتم بشكوانا، الوباء تفشى بيننا ولو جئتم فى حملة طبية تكشف علينا هتلاقونا أكتر الناس مرضًا بالصدر والرئة، ولو تقدروا تعملوا حاجة وصلوها للمسئول من أجل أن ننتهى من هذا المصنع ومن الرائحة التى طالما نعانى منها منذ سنوات ولا مجيب لنا، فنحن تعبنا وسئمنا من عدم نقل المصنع».
ويكمل «إبراهيم البدرى، 45 سنة» أحد أهالى المنطقة: "أقيم خلف مصنع العظام، ورائحته أصابت أطفالى الخمسة بأمراض صدرية، ولجأت إلى مستشفى «الصدر بإمبابة» عدة مرات ونصحونى بالابتعاد عن هذا السكن الملوث، لكن أين أذهب بأولادى وأنا لا أملك غير هذا السكن الذى أستأجره منذ سنوات طويلة؟، فهل تستطيع الدولة أن تتدخل لتنقل هذا المصنع الذى يحوى سمومًا قاتلة وينشرها فى الهواء لنستنشقها نحن وأولادنا لنصاب بأمراض صدرية لايوجد لها علاج؟».
فيما أشار «أحمد عبد الحميد، 61 سنة» إلى أن رائحة المصنع تخنق المواطنين والمرضى وكبار السن بالمنطقة، قائلًا: "قدمنا عدة شكاوى للمسئولين فى حى غرب شبرا الخيمة منذ سنوات طويلة قبل الثورة، وحتى الآن لم يتم نقل المصنع أو إغلاقه، واكتفى أحد الموظفين بقوله لنا إن صاحب المصنع «مسنود ولن تستطيعوا فعل شيء ريحو دماغكم».
وأوضح «شريف متولى»، أحد جيران المصنع، أن المصنع واقع على ترعة الإسماعيلية، وعليه فهو أكبر ملوث للبيئة، خاصة أن مخلفات المصنع يتم إلقاؤها فى الترعة، علاوة على أن الرائحة قاتلة وليس معنا ما ننفقه على علاج أولادنا المهددين بالموت".
وحين كنا نتجول لسؤال الأهالى عن المصنع فوجئنا برجل فى العقد الثامن من العمر جالسًا يتناول الطعام بجوار عربة فول، قال: هل يمكن لكم أن تفعلوا شيئًا؟ كل الأهالى بعثوا شكاوى، ولم يجبهم أحد، والحل الوحيد لإزالة المصنع من هنا.. أن ربنا ينزل سخطه عليه لأن صاحب المصنع لم يهتم بأحد ولا بمرض أحد، وسبق أن صدرت قرارات إزالة لهذا المصنع عدة مرات، وحصل صاحب المصنع على أرض مساحتها كبيرة بالمنطقة الصناعية بالخانكة، ورغم دخول المرافق بالمصنع فى الخانكة، فإن صاحب المصنع لم ينقل المصنع إلى هناك، وظل مستمرًا من قبل يناير 2011، وبالتحديد فى عهد المستشار عدلى حسين، محافظ القليوبية الأسبق، وحتى الآن ظل المصنع مفتوحًا فى تحدٍ صارخ للدولة والحكومة ويأس الأهالى من نقل هذا المصنع الملوث للبيئة.
كارثة تهدد حياة التلاميذ
على يمين المصنع يوجد «مجمع معاهد العلم والإيمان»، وهو عبارة عن مدرسة كبيرة مكونة من عدة طوابق، حيث يوجد فيها طلاب من المرحلة الابتدائية والإعدادية بالإضافة إلى أطفال فى الحضانة.
توجهنا لسؤال مدير المعهد عن المصنع، حيث أكدت الأستاذة « وفاء. ا»، أن المعهد تم بناؤه منذ عشر سنوات ومن وقتها تم تقديم عشرات البلاغات للمحافظة ورئيس الحى والمسئولين عن البيئة، من أجل أن تتم إزالة هذا المصنع حفاظًا على صحة الأطفال، إلا أنه لم يستجب أحد، وتؤخذ الشكاوى منا وتوضع فى صناديق القمامة، فحاولنا استشارة بعض الأطباء لمعرفة الأضرار التى تقع على التلاميذ، وأكدوا استحالة استمرار المصنع وسط الكتلة السكنية، فالأطفال معرضون بهذا الشكل للإصابة بالأمراض والأوبئة لأن المصنع تصدر عنه عوادم محترقة وتتطاير فى الجو فيستنشقها الأطفال والكبار، وإجراءات السلامة الوحيدة الذى يتخذها المعهد إغلاق الشبابيك طول الوقت.
"الزمان" داخل المصنع
روايات الأهالى عن المصنع جعلتنا أكثر حماسة لندخل المكان الذى يهدد حياة مليونى مواطن، وكلما اقتربنا من المكان زادت الرائحة الكريهة، وحينما وصلنا إلى الباب تم منعنا من الدخول من الباب الأمامى حيث تم تخصيصه لدخول وخروج السيارات المحملة بعظام الحيوانات النافقة، وتم إبلاغنا بالدخول من الباب الخلفى، وعلى مدخل المصنع وجدنا أكواما من العظام النافقة تصدر عنها روائح كريهة.
استوقفنا عامل وتبادلنا معه أطراف الحديث بدعوى أننا نجرى بحثًا حول صناعة "الزراير والغراء" من عظام الحيوانات النافقة، وبدأ حديثه معنا عن مراحل التصنيع قائلًا: "تحميص العظم، وبعد تحميصه يوضع فى الهواء، وبعدما يهدأ، يتم نزول العظام إلى المطحنة ليكون مثل الدقيق، وبعد ذلك تتم غربلته بالغربال، ويفصل الناعم عن الخشن، والناعم تتم منه صناعة الغراء الأبيض وصناعة «الزراير» التى تكون على شكل «سن الفيل»، والتى تأخذ شكل العاج والغراء الحمراء الخشنة للشبابيك والأبواب، وتفرش مثل الورق وتباع لمحلات البويات، ويتم شراء كيلو العظم بـ«20 قرشًا»، أما العظام الأخرى فيتم تجميعها من مقالب القمامة مثل عظام الحمير والكلاب".
وعندما تجولنا خطوات أخرى استوقفنا شخصا آخر، وقال لنا: ممنوع دخولكم هنا لأن صاحب المصنع غير موجود، فقلنا له: نريد أن نرى مكان تصنيع «الزراير» ومراحل تكوينها، فرد علينا قائلًا: "ليس مسموحًا بأن يتم تصوير الماكينات، لكن بعد إلحاح منا وافق على تصوير بعض منها، وقال: ليس مسموحًا لكم التجول أكثر من ذلك، فشرح لنا كيفية عمل «الزراير»، حيث قال: "تتم إذابة البلاسيتك التى يتم جمعه من مقالب القمامة، وبعد ذلك تتم إضافة العظام المطحونة عليه ويتم فرده ووضعه فى لوح قالب، ثم بعد ذلك يتم وضعه على الماكينات التى تقوم بتقطيعه، ثم يتم وضعه فى غلاية ويقلب جيدًا ثم مرحلة الغسيل، وبعد ذلك التلميع".
من داخل المصنع وفى منطقة مرتفعة عن الأرض لاحظنا وجود مبنى ضخم يبعد عن المصنع بـ50 مترًا، وعلمنا أنه مستشفى لجراحات القلب ويوجد به مهبط للطائرات.
أحد العمال أكد لـ«الزمان»، أن الزراير التى يتم تصنيعها من عظام الحيوانات النافقة يتم توريدها لمصانع الملابس فى منطقة وسط البلد حيث تستخدم فى الملابس، كذلك مصانع شبرا الخيمة تستورد من المصنع نفس الزراير التى تنتج فى أحجام وأشكال مختلفة.
وتابع العامل: هناك مصدران للحصول على العظام، الأول من خلال المذابح الموجودة حول القاهرة مثل مذبح البساتين، المصدر الثانى العظام التى يأتى بها جامعو القمامة إلى المصنع وتكون عظام حيوانات نافقة.
كارثة بيئية
على عبد الرحمن، المتخصص فى علوم البيئة بوزارة البيئة، أكد أن الدخان الناتج عن هذه العوادم يؤدى لأمراض خطيرة، نتيجة الكربونات والكبريتات. وأى مصنع ينتج عادم دخان فهو «مسمم»، ومن المفترض أن المصانع، تقوم بتركيب «فلاتر» لها، وذلك لكى تمنع الدخان المسمم من الخروج وبالتالى يقلل من تأثيره السلبى على البشر، كذلك استعمال مواسير طاقة حرارية، وهذا كله لا يمنع نقل المصنع إلى المنطقة الصناعية بالخانكة بالإضافة إلى وجود كمامات واقية للعمال، مشيرًا إلى أن أغلب المصانع الموجودة فى مصر بها فساد لأنها تنتج غازات سامة.
محمود الباز، عضو نقابة الأثاث بدمياط، قال لـ"الزمان"، إن هناك أنواعًا كثيرة من "الغراء" منها الغراء البيضاء، و"البيلتيني"، و"السايحة"، ويتم استخدامها فى لصق القشرة فى صناعة الأثاث.
وبالنسبة لـ" الزراير"، أوضح أنه يتم تصنيعها من العظام أيضًا، ولكن تكون شديدة، تضاف إليها مواد كيماوية، مشيرًا إلى أن الرائحة الكريهة للغراء، تنتج عن استخدام عظام الحيوانات مع التسخين.
الدكتور أحمد محمد عبد الفتاح، اختصاصى الأمراض الصدرية، قال لـ"الزمان"، إن منطقة شبرا سكانها مهددون بالإصابة بالسرطان نتيجة كمية المصانع هناك، والخاصة بالأسمنت والمواد الكيماوية، ناهيك عن الكارثة التى يتسبب فيها مصنع العظام وحده، وذلك على خلفية العوادم الناتجة عنه، حيث إن عمليات الحرق تنتج عنها أمراض الحساسية والربو بشكل كبير، خصوصًا أن تلك المصانع لا تتبع إجراءات الأمن والسلامة، وعلى الحكومة أن تتدخل لإيقاف هذه الكارثة البيئية.
وعلق الدكتور أشرف الحلوانى، استشارى الأمراض الصدرية، لـ"الزمان"، بأن حرق المواد العضوية المتمثلة فى عظام الحيوانات، يمكن أن يتسبب فى إصابة الأهالى بالسرطان، خاصة إذا كانوا يستخدمون مواد أخرى كالكاوتشوك الذى يضاف إلى الغراء، لافتًا إلى أن الغراء تتم إضافته إلى صابون الاستحمام أيضًا.
وعن وجود الأطفال بجوار هذا المصنع، أكد "الحلوانى"، أنه يصيب الأطفال بحساسية الصدر التى تؤثر عليهم على المدى الطويل وتصيبهم بأمراض الربو والدرن، بالإضافة إلى مضاعفات أخرى، مشيرًا إلى أنه على الدولة السعى إلى إغلاق هذه المصانع فورًا أو تنقيتها عن طريق إضافة فلاتر.

