إعلام الجماهير.. كيف أعاد شريط الكاسيت تشكيل المجال الثقافي في مصر؟

قبل أن يصبح الصوت رقميًا وسريع الزوال، كان يُحمل على شريط صغير يدور في جيوب الناس وبيوتهم ووسائل مواصلاتهم. من هذا الشريط، الذي بدا بسيطًا وعابرًا، تشكّلت عوالم كاملة من السماع والذوق والذاكرة، وفي كتاب «إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر»، الصادر عن «دار الشروق» بترجمة بدر الرفاعي، عاد المؤرخ الأمريكي آندرو سايمون إلى هذا الوسيط المنسي، لا بوصفه أداة تكنولوجية فقط، بل باعتباره نافذة لفهم تحولات عميقة في المجتمع المصري، حيث لم يكن الكاسيت مجرد صوت يُسمَع، بل وسيلة عاشت داخل تفاصيل الحياة اليومية وأسهمت في إعادة تشكيل علاقتنا بالإعلام والثقافة.
في البداية، تناول كتاب «إعلام الجماهير» تاريخ تكنولوجيا الكاسيت الصوتي في مصر بوصفها وسيطًا جماهيريًا لعب دورًا محوريًا في تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية منذ سبعينيات القرن العشرين، وانطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن وسائط الإعلام لا تقتصر أهميتها على محتواها فقط، بل على طرائق تداولها واستهلاكها، وما تفتحه من إمكانات للمشاركة الشعبية وإعادة تشكيل المجال العام.
«شريط كوكتيل»: بناء غير تقليدي لتاريخ الإعلام
واعتمد الكتاب نهجًا موضوعيًا لا يقوم على السرد الزمني الصارم، بل يُبنى بوصفه «شريط كوكتيل»، حيث يدور كل فصل حول موضوع محدد يضيء جانبًا من علاقة الكاسيت بالمجتمع المصري. ومن خلال هذا البناء، سعى المؤلف إلى إعادة التفكير في تاريخ مصر الحديث من زاوية الحياة اليومية، بعيدًا عن السرديات السياسية الكبرى والأطر الأيديولوجية الجاهزة.
الانفتاح الاقتصادي وبدايات ثقافة الاستهلاك الصوتي
ركز الجزء الأول من الكتاب على نشأة ثقافة الكاسيت في سياق الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس أنور السادات، موضحًا كيف تزامن انتشار هذه التكنولوجيا مع اتساع ثقافة الاستهلاك، وتحول الكاسيت من فكرة تقنية إلى سلعة متداولة على نطاق واسع. وبيّن المؤلف أن الكاسيت لم يكن مجرد أداة ترفيه، بل وسيطًا مكّن شرائح واسعة من المجتمع من الوصول إلى المحتوى الصوتي والمشاركة في إنتاجه وتداوله.
أما الجزء الثاني، فانتقل إلى دراسة الكاسيت كوسيلة جماهيرية فاعلة في الحياة الاجتماعية، متناولًا قضايا الذوق، والقرصنة، والتداول غير الرسمي للمحتوى، والدور الذي لعبته الأشرطة في تقويض احتكار الدولة لوسائل الإعلام الصوتية. وتوقف الكتاب عند ظواهر مثل انتشار التسجيلات الدينية والسياسية والغنائية خارج الأطر الرسمية، وما أتاحه ذلك من مساحات بديلة للتعبير وتداول الروايات غير السائدة.
الشيخ إمام وصناعة ذاكرة صوتية بديلة
وخصص المؤلف فصلًا لدراسة تجربة الشيخ إمام، بوصفها مثالًا على استخدام الكاسيت في نشر روايات مضادة للتاريخ الرسمي، موضحًا كيف أسهمت الأشرطة في خلق ذاكرة صوتية موازية، ظلت حاضرة في الوعي الجمعي رغم محاولات التهميش أو المنع. كما ناقش الكتاب مسألة الأرشفة، والآثار المادية لأشرطة الكاسيت، بوصفها وثائق تاريخية تتيح إعادة قراءة الماضي القريب من خلال الأشياء اليومية.
الإذاعة الرسمية: صوت السلطة وهيمنة الخطاب الواحد
وتتبع الكتاب التحوّل الذي أحدثته تكنولوجيا الكاسيت في المجال الصوتي المصري، خاصة في علاقتها بالإذاعة الرسمية التي خضعت منذ الخمسينيات لسيطرة الدولة، وأوضح آندرو سايمون كيف اعتمد جمال عبد الناصر على الإذاعة بوصفها أداة مركزية لنشر الخطاب السياسي، مستفيدًا من طابعه الخطابي وقدرته على الوصول إلى الجماهير الواسعة.
وعلى هذه الخلفية، برز ظهور الكاسيت لاحقًا كوسيط أحدث زعزعة لهذا الاحتكار، إذ أتاح تداول الأصوات خارج البث الرسمي، وأسهم في إلغاء مركزية الوسائط الكبيرة التي سيطر عليها حراس الثقافة المحليون، مانحًا الأفراد قدرة غير مسبوقة على تسجيل الصوت ونسخه وإعادة توزيعه في فضاءات خاصة وشبه عامة.
أرشيف الظل: الأشرطة بوصفها وثائق للحياة اليومية
كما اعتمد الكتاب على أمثلة مادية دقيقة لإبراز البعد اليومي لتكنولوجيا الكاسيت، من بينها مشهد كشك القاهرة الذي كان يبيع تسجيلات الكاسيت، والذي يعود إليه المؤلف في الخاتمة بوصفه نقطة انطلاق للتأمل في اختفاء هذه الأشرطة من المجال العام، واستخدم "سايمون" هذا الكشك كنموذج لفهم ما يسميه «أرشيف الظل»، حيث لا تحفظ الذاكرة الثقافية في المؤسسات الرسمية فقط، بل في الأشياء العادية التي استخدمها الناس وتداولوها.
ومن خلال تتبع الأشرطة المتداولة، وآثار الاستخدام، وأصوات الماضي المسجلة عليها، قدّم الكتاب تصورًا للتاريخ الجزئي بوصفه مدخلًا لإعادة قراءة الماضي القريب من زاوية الحواس والتجربة اليومية، لا من خلال الوثائق الرسمية وحدها
روز اليوسف ورصد التحولات في سوق الصوت
واعتمد الكتاب أيضًا على مواد صحفية من مجلة روز اليوسف بوصفها مصدرًا مهمًا لتتبع حضور الصوت والتسجيل في المجال العام المصري، خاصة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأشار "سايمون" إلى عدد من المقالات التي تناولت مبكرًا ظاهرة الأشرطة الصوتية، مثل ما نشرته المجلة عن دخول شركات أجنبية إلى سوق التسجيلات، أو عن بدايات «الكتاب المسموع» مع تسجيلات محمد عبد الوهاب، فضلًا عن تغطيتها لقضايا تهريب الأغاني والقرصنة وضبط آلاف النسخ المقرصنة في السوق المصري.
ومن خلال هذه المواد، أوضح الكتاب كيف عكست روز اليوسف قلقًا ثقافيًا وإعلاميًا متزايدًا من التحولات التي أحدثها الكاسيت في طرق تداول الصوت، وكيف تحوّلت المجلة إلى شاهد على انتقال التسجيلات من نطاق خاضع للرقابة المؤسسية إلى سوق واسع تحكمه الممارسة الشعبية والتداول غير الرسمي.
الصوت والسلطة: من الإذاعة الرسمية إلى كسر الاحتكار
كما توقف الكتاب عند العلاقة التاريخية بين الصوت والسلطة في مصر، موضحًا كيف مثّلت الإذاعة منذ خمسينيات القرن العشرين أداة مركزية في يد الدولة، خاصة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث استُخدم الصوت لبناء خطاب سياسي موجّه للجماهير. وعلى هذه الخلفية، برز الكاسيت بوصفه وسيطًا مختلفًا؛ إذ أتاح إمكانية كسر مركزية الصوت الرسمي، وفتح المجال أمام تداول تسجيلات لا تمر عبر قنوات الرقابة التقليدية، وهو ما منح الأفراد قدرة أكبر على الاختيار والاستماع والمشاركة خارج الأطر المؤسسية.
الذاكرة المسموعة وأرشيف الحياة اليومية
عالج الكتاب البعد الحسي والمادي لتكنولوجيا الكاسيت، معتبرًا الأشرطة وأجهزة التشغيل جزءًا من ذاكرة الحياة اليومية، لا مجرد أدوات تقنية عابرة؛ فالكاسيت، بما يحمله من أصوات مألوفة وآثار استخدام ملموسة، تحول إلى مدخل لدراسة التاريخ الجزئي، حيث تُستعاد التجارب الفردية والأنماط الاجتماعية من خلال الأشياء الصغيرة. ومن هذا المنظور، اقترح المؤلف أن الأرشيف الصوتي غير الرسمي، بما فيه من تسجيلات منسية أو مهمشة، شكّل مصدرًا أساسيًا لإعادة تصور الماضي القريب وفهم تحولات المجتمع المصري.
الذوق خارج الوصاية الثقافية
وأفرد الكتاب مساحة خاصة لمناقشة مسألة الذوق، بوصفها نتاجًا اجتماعيًا تشكّل عبر تداول أشرطة الكاسيت خارج الأطر الثقافية الرسمية، وأوضح المؤلف كيف أسهمت الأشرطة في كسر الهيمنة التقليدية للنخب الثقافية على تعريف "الذوق الجيد"، إذ أتاحت للكثير من الأصوات والأنماط الغنائية والدينية والشعبية أن تنتشر بين جمهور واسع، بعيدًا عن مؤسسات التقييم والاعتماد. وبهذا المعنى، لم تكن الكاسيت مجرد وسيلة لنقل المحتوى، بل أداة شاركت في صياغة أذواق جديدة، وأعادت ترتيب العلاقة بين الثقافة الرسمية وما يفضّله المستمعون في حياتهم اليومية.
القرصنة وإعادة توزيع الصوت
وفي سياق متصل، تناول الكتاب ظاهرة القرصنة باعتبارها جزءًا بنيويًا من ثقافة الكاسيت، لا استثناءً عنها؛ حيث بيّن المؤلف كيف أدت سهولة النسخ وإعادة الإنتاج إلى نشوء دوائر صوتية غير رسمية، انتشرت من خلالها التسجيلات بسرعة وكلفة منخفضة، وأسهمت في توسيع نطاق الوصول إلى المحتوى الثقافي، ولم تُقدَّم القرصنة هنا بوصفها ممارسة اقتصادية فقط، بل كآلية اجتماعية أعادت توزيع الصوت، وقلّصت الفجوة بين المنتجين والمستهلكين، وأسهمت في تقويض احتكار الدولة والشركات الكبرى لتداول المادة السمعية.
وفي خاتمته، أكد الكتاب أن دراسة وسائط الإعلام المنسية مثل الكاسيت تفتح آفاقًا جديدة لفهم تاريخ المجتمعات الحديثة، وأن أكثر التقنيات بساطة قد تكشف عن تحولات عميقة في أنماط التواصل والثقافة والسلطة. وبهذا، قدّم «إعلام الجماهير» قراءة تاريخية واجتماعية لوسيط لعب دورًا حاسمًا في تشكيل المجال السمعي والثقافي في مصر الحديثة.

