الزمان
جريدة الزمان

خارجي

من القاهرة إلى كاب تاون.. ندوة بمعرض الكتاب تناقش كيف يُكتب الأدب عن الحياة العادية في الأزمنة الاستثنائية

محمد عبد المنصف -

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، وتتداخل فيه المخاوف الكبرى من تغيّر المناخ إلى هيمنة التكنولوجيا على الوعي الإنساني، طرحت ندوة «من القاهرة إلى كاب تاون: الكتابة الأدبية عن الحياة العادية في الأزمنة الاستثنائية» تساؤلات جوهرية حول دور الأدب في فهم العالم المعاصر، وذلك ضمن محور «تجارب ثقافية»، في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، بالقاعة الدولية في بلازا 2.

واستضافت الندوة الكاتب والروائي الجنوب أفريقي عمران كوفيديا، وأدارتها الكاتبة والمترجمة والناقدة أمنية طلعت المصري، في حوار اتسم بالعمق الفكري، وتناول علاقة الأدب بالعلم، والخيال العلمي، والتكنولوجيا، وتغيّر الأجيال، وحدود قدرة الكتابة على تغيير وعي المجتمعات.

في مستهل النقاش، توقفت الندوة عند علاقة الأدب بالعلوم الحديثة، وعلى رأسها الطاقة النووية، حيث رأى كوفيديا أن الكُتّاب ليسوا بالضرورة بارعين في طمأنة الناس، بقدر ما يجيدون إثارة القلق وطرح الأسئلة المقلقة، معتبرًا أن وظيفة الأدب الأساسية هي توسيع زاوية الرؤية، ووضع القضايا العلمية في سياق تاريخي وإنساني وأخلاقي أوسع.

وأشار إلى أن العلم، رغم كونه أداة عظيمة للبشرية، يحتاج دائمًا إلى منظور شامل يتجاوز الاستخدام التقني المباشر، لافتًا إلى أن السؤال الأهم ليس «كيف نستخدم العلم؟» بل «لماذا نستخدمه؟ وإلى أين يقودنا؟».

وضرب مثالًا بنقاشاته المستمرة مع زوجته، الباحثة في شؤون الطاقة، حول الطاقة النووية والتغير المناخي والفقر، معتبرًا أن هذه القضايا الكبرى لا تُحسم بالجدال، بل تحتاج إلى وعي طويل المدى ومسارات تفكير متعددة.

وحول فكرة الإقناع وتغيير القناعات، أكد كوفيديا أن الجدال المباشر نادرًا ما يغيّر آراء الناس، معتبرًا إياه «أسوأ أداة» للتأثير، مشيرًا إلى أن تشكيل الوعي غالبًا ما يحدث بطرق غير مباشرة، حدسية، أو عبر السرد القصصي الذي يسمح للقارئ بإعادة التفكير دون ضغط أو صدام.

واتفقت معه أمنية طلعت في أن الجدال غالبًا ما يتحول إلى مضيعة للوقت، قبل أن تنتقل الندوة إلى مناقشة أوسع حول دور الخيال الأدبي في تهيئة المجتمعات للتغيير.

وتناولت الندوة دور الخيال العلمي في مساعدة المجتمعات على الاستعداد النفسي والعاطفي للتغيرات المقبلة، حيث أوضح كوفيديا أن الأعمال الأدبية لا تتنبأ بالمستقبل بقدر ما تتخيله، وتفتح المجال لفهم آثاره المحتملة على الإنسان.

وأشار إلى تجربته مع الجوائز الأدبية المرتبطة بالخيال العلمي، موضحًا أنها غالبًا ما تنطلق من رؤية متفائلة للمستقبل، لكنه أقرّ بأن الواقع أحيانًا يتجاوز حتى أكثر التصورات تشاؤمًا، خاصة مع تطور منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها النفسي، وما تخلقه من أنماط جديدة للرقابة والتصنيف، لا سيما في المجتمعات الأفريقية.

وفي محور آخر، ناقشت الندوة الفجوة بين الأجيال في ظل الثورة الرقمية، حيث وصف كوفيديا الأجيال الجديدة بأنها «مواطنون رقميون» وُلدوا داخل هذا العالم التكنولوجي، وليسوا مجرد مستخدمين طارئين له.

وأوضح أن هذا التحول لا يغيّر فقط أدوات التواصل، بل يعيد تشكيل اللغة، والسياسة، وطريقة فهم العالم، مؤكدًا أن الأفكار، مثلها مثل الجينات، تُورّث وتتحور عبر الزمن.

وتطرقت الندوة إلى انتشار روايات الكوارث والخيال العلمي المرتبط بنهاية العالم، حيث رأى كوفيديا أن من اللافت أن كثيرًا من قادة شركات التكنولوجيا والمليارديرات تأثروا بالخيال العلمي في طفولتهم، وهو ما انعكس لاحقًا على تصوراتهم للعالم والمستقبل.

وأشار إلى أن هذا النوع من السرد قد يغذّي أحيانًا نزعات بارانويدية داخل المجتمعات، خاصة حين تتقاطع السلطة التكنولوجية مع الخوف الجماعي.

وفي ختام النقاش، طُرح سؤال فلسفي حول التشاؤم والسعادة في الأدب، حيث رفض كوفيديا فكرة غياب النهايات السعيدة، مؤكدًا أن الفرح موجود في تفاصيل الحياة اليومية: في الموسيقى، وفي العلاقات الإنسانية، وحتى في الحزن ذاته.

واستحضر آراء فلسفية وأدبية كبرى، من أرسطو إلى تولستوي وباسكال، ليؤكد أن الأدب لا ينكر المأساة، لكنه يمنح الإنسان القدرة على التعايش معها وفهمها.