جفانتسا جوبافا الناشرة الجورجية التى جعلت المعرفة سلاحًا للمقاومة وأداة لتحقيق الديمقراطية

«تخيل أن الشباب فى شوارع تبليسى يحملون كتبهم بدل الأسلحة، يقفون فى البرد القارس ليعبّروا عن أفكارهم ومعرفتهم».. هذا هو عالم الناشرة الجورجية ورئيسة الاتحاد الدولى للناشرين جفانتسا جوبافا، التى ترى فى القراءة سلاحًا حقيقيًا للمقاومة والديمقراطية، والتى تملك رؤية مميزة للكتب، ليس باعتبارها مجرد صفحات وكلمات فحسب، بل باعتبارها أدوات قوة وإلهام قادرة على تغيير المجتمعات، ومواجهة الاستبداد، وتحقيق الربط بين الثقافة والسياسة بطريقة تجعل كل كتاب يُقرأ بمثابة خطوة نحو الحرية.
باع طويل فى الدفاع عن حرية التعبير والنشر وحقوق المؤلفين
فى البداية، فإن «جوبافا» تملك باعًا طويلًا ومشرفًا فى الدفاع القوى عن حرية التعبير والنشر وحماية حقوق المؤلفين، وقد سلطت الضوء على العلاقة بين الثقافة والسياسة منذ توليها منصبها، مؤكدة أن القراءة والمعرفة أداتان أساسيتان للمجتمع المدنى والمشاركة الديمقراطية، ليس فقط فى جورجيا بل على المستوى الدولى أيضًا.
وتشغل «جوبافا» حاليًا منصب رئيسة الاتحاد الدولى للناشرين، وهى الرئيسة السابقة لجمعية الناشرين فى جورجيا، وتشغل منصب رئيسة الشئون الدولية ورئيسة قسم الرواية/القصص المترجمة والكتب غير الروائية فى دار «إنتيليكتى للنشر»، وهى إحدى أبرز دور النشر فى جورجيا. بالإضافة إلى ذلك، فهى عضوة فى «شبكة النساء الناشرات الدولية – PublisHer»، ومنذ عام 2020 أصبحت عضوة فى «PEN International» فى جورجيا، وهى منظمة دولية تدافع عن حرية التعبير وحقوق الكُتّاب والصحفيين حول العالم.
وتعمل «جوبافا» على الدفاع عن صناعة النشر الجورجية منذ عام 2013، وهى مناصرة لحقوق ومصالح الناشرين الجورجيين، وداعمة لحقوق الطبع والنشر وحرية النشر والتعبير فى جورجيا، وأدارت عددًا من المشاريع لتعزيز صناعة النشر والأدب الجورجى على المستوى الدولى، بما فى ذلك برنامج جورجيا بوصفها «ضيف الشرف» فى معرض فرانكفورت للكتاب 2018. كما كانت، بين عامى 2013 و2022، منظمة مهرجان تبليسى الدولى للكتاب، ورئيسة الأجنحة الوطنية الجورجية فى معارض فرانكفورت ومعرض لندن للكتاب.
عملها فى الترجمة يعكس «دبلوماسية ثقافية».. ومبادراتها تسعى لتحويل المقاومة إلى وعى مجتمعى
وهى أيضًا شاعرة ومترجمة لأعمال كل من: الروائى الأمريكى الحاصل على نوبل فى الأدب جون شتاينبك، والكاتب النيجيرى تشينوا أتشيبى، والروائى الأمريكى الحاصل على نوبل فى الأدب سول بيلو، والموسيقى البريطانى عضو فرقة البيتلز جون لينون، والصحفية والناشطة الحقوقية الروسية آنا بوليتكوفسكايا، إلى اللغة الجورجية.
ويعبر تنوع عملها فى الترجمة عن «دبلوماسية ثقافية» حقيقية، وهى أيضًا مؤلفة ومحررة مشروع النشر «رف الكتب المحظورة»، ومؤسسة فعاليات أسبوع الكتب المحظورة فى جورجيا، لتحويل المقاومة إلى وعى مجتمعى.
قلبها ما زال يسكن جورجيا.. وجهودها تتركز فى مواجهة القمع السياسى والاستبداد
وقبل أن تتولى «جوبافا» منصب رئيسة الاتحاد الدولى للناشرين، كانت قد كشفت خلال مؤتمر الاتحاد الدولى للناشرين فى جوادالاخارا بالمكسيك فى ديسمبر عام 2024 – والذى استضاف أيضًا الحائزة على جائزة نوبل للسلام ورئيسة مركز الحريات المدنية أوليكساندرا ماتفييتشوك – عن حقيقة أن قلبها ما زال حاضرًا ببلدها الأم جورجيا، رغم وجودها فى المؤتمر، قائلة: «إن كل يوم يمر يصبح أصعب، وإنها تشعر بأنها كان ينبغى أن تكون إلى جانب كتّابها وزملائها وشعبها فى هذه اللحظة الحرجة».
كما عبّرت عن صراعها بين ضرورة الحفاظ على سلامتها الشخصية وواجبها فى الدفاع عن الكُتّاب وبلدها، داعية الدول الديمقراطية إلى حماية القيم الأوروبية، وقالت صراحة: «إذا لم أكن قادرة على التحدث علنًا دفاعًا عن مؤلفى، وعن نفسى، وعن بلدى، فكيف سأتمكن من التحدث دفاعًا عن هذا العدد الكبير من الأعضاء الذين يواجهون تحديات وصعوبات جسيمة؟».
«جوبافا» صوت حر لا يعرف الخنوع، يؤكد ترابط الثقافة بالسياسة، وعلى أن إسكات الأصوات الثقافية يهدد بفقدانها.
القراءة كركيزة للديمقراطية
وخلال فعالية «المنتدى العالمى للتعبير» عام 2025 فى ليليهامر بالنرويج، تم تسليط الضوء على أهمية القراءة كركيزة أساسية للديمقراطية من خلال مقابلات مع ثلاثة خبراء، هم: أستاذ وخبير صناعة النشر فى سلوفينيا ميهايل كوفاتش، والناشرة ومدافعة عن حرية التعبير فى جورجيا جفانتسا جوبافا، والكاتب والناشط من المملكة المتحدة لويس هول.
وقد صرّحت «جوبافا» خلال تلك الفاعلية بأن القراءة هى الخطوة الأولى نحو الحرية والديمقراطية، مؤكدة أهمية القدرة على القراءة النقدية لفهم ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعى. وحذّرت من انتشار التضليل والدعاية فى كل مكان، مشددة على أن غياب مهارة القراءة النقدية قد يؤدى إلى فقدان السيطرة على الحقيقة، وأن فهم ما نقرأ شرط أساسى للدفاع عن الديمقراطية والمشاركة الفعّالة فى المجتمع.
دمج السياسة والثقافة فى عمل الناشرين
وبعد أكثر من شهرين على توليها رئاسة الاتحاد الدولى للناشرين لفترة عامين، سلطت «جوبافا» الضوء على الكيفية التى يختلط بها النشاط السياسى بالمجال الثقافى والنشر الدولى.
وتقول إن «سلاحنا هو معرفتنا وعقولنا وتعليمنا»، ورأت «جوبافا» فى هذه المشاهد انعكاسًا مباشرًا لما يسعى برنامج «الديمقراطيات التى تعتمد على القراءة» الذى تقوده منظمة «المنتدى العالمى للتعبير» إلى تحقيقه، حيث تعتبر القراءة أساس حرية التعبير والمشاركة الديمقراطية ومرتكزًا للحفاظ على المجتمع المدنى أمام التحديات.
التنمية المستدامة وحرية النشر
ومن بين إنجازاتها الأخرى أنها ربطت بين دور الناشرين فى تعزيز هذه القيم وبين أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، مؤكدة أن حرية النشر وحماية حقوق المؤلف تمكّن الكُتّاب والناشرين من تقديم أعمالهم للمجتمع الذى يحتاج إليها. وشددت على أهمية العمل المشترك لتحقيق التغيير والتحسين فى البيئة المحيطة، معتبرة أن الوحدة بين أعضاء الاتحاد الدولى للناشرين والجمعيات الوطنية ضرورية للوصول إلى أى إنجاز.

