زة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانات الفنية للقضايا السياسية

لم تكن الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائى مجرد تظاهرة فنية هذا العام، بل تحولت إلى ساحة نقاش أخلاقى عالمى. فقبل أن يبدأ الجدل حول الأفلام، بدأ حول المهرجان نفسه، بعد موجة من الاعتراضات والبيانات والانسحابات التى قادها سينمائيون وممثلون مشاركون وسابقون، تدين صمت إدارة المهرجان إزاء ما يحدث فى غزة والعنف المروع الذى لا يزال يشن ضد الفلسطينيين، فى تناقض صارخ مع مواقفه فى صراعات أخرى مثل أوكرانيا وإيران.
فقد وقع أكثر من 80 ممثلًا ومخرجا وكاتبا عالميا رسالة مفتوحة انتقدت ما اعتبروه «ازدواجية معيارية» فى التعامل مع المآسى الإنسانية، مطالبين بأن يتسق خطاب المهرجان الحقوقى مع الأحداث الجارية. كما شهدت الندوات والمؤتمرات الصحفية توترا واضحا؛ إذ استخدم بعض الضيوف منصاتهم للتعبير عن تضامنهم، فيما ألغى آخرون مشاركاتهم فى فعاليات مصاحبة أو امتنعوا عن حضور حفلات رسمية، وتحولت الأسئلة الفنية فى بعض المؤتمرات إلى أسئلة أخلاقية مباشرة حول موقف المؤسسة الثقافية نفسها.
وكانت المخرجة التونسية كوثر بن هنية من أبرز الأصوات التى أعادت طرح السؤال علنًا داخل المهرجان، إذ أكدت فى تصريحاتها ومداخلاتها أن السينما لا يمكن أن تتحدث عن الإنسان وكرامته على الشاشة بينما تتجاهل مأساته فى الواقع، معتبرة أن الدفاع عن القيم الإنسانية ليس موقفًا سياسيًا بقدر ما هو جوهر الفن ذاته. ولم يقتصر موقفها على التصريحات، إذ أعلنت رفضها استلام الجائزة التى مُنحت لها ضمن فعالية «سينما من أجل السلام»، فى خطوة رمزية عززت حضور القضية داخل أروقة المهرجان وأنها لم تعد خلافا سياسيا، ووسعت النقاش بين ضيوفه حول حدود دور الثقافة فى أوقات الأزمات.
وهنا لم يعد السؤال متعلقا بموقف سياسى بعينه، بل بطبيعة المهرجان ذاته:
هل من حق السينمائيين مطالبة مهرجان فنى باتخاذ موقف سياسى وأخلاقى من قضية إنسانية كبرى؟
السؤال فى ظاهره بسيط، لكنه فى جوهره يضع الفن أمام واحدة من أقدم أزماته: هل السينما فن مستقل أم ضمير عام؟
«مهرجان سياسى بطبيعته»
من الصعب الدفاع عن فكرة حياد مهرجان برلين تحديدًا. فالمهرجان تأسس عام 1951 فى قلب الحرب الباردة، وكان أداة ثقافية غربية فى مدينة مقسومة سياسيا، ضمن الصراع الأيديولوجى العالمى. لم يكن مجرد مهرجان أفلام بل منصة خطابية، استخدمت فيها السينما كقوة ناعمة.
وعلى مدار تاريخه، تبنى قضايا سياسية وإنسانية عديدة بوضوح: أفلام عن مناهضة الديكتاتوريات، حقوق الأقليات، قضايا اللاجئين، والحروب والذاكرة الاستعمارية.بل إن اختياراته نفسها كانت دائمًا تحمل رسائل أخلاقية أكثر من كونها فنية بحتة.
أى إن برلين لم يقدم نفسه يومًا كمهرجان ترفيهى خالص، بل كمهرجان «قيم». ولهذا تحديدًا تبدو الأزمة الحالية شديدة الحساسية؛ لأن السينمائيين يرون أن المهرجان الذى يتحدث دائمًا باسم الإنسانية، لا يمكنه أن يختار متى يتكلم ومتى يصمت.
لماذا يضغط الفنانون ويطالبون بالموقف؟
الفنانون لا يطالبون المهرجان عادة بتبنى موقف سياسى تفصيلى، بل بإعلان موقف إنسانى عام. فالمهرجانات الكبرى اليوم لم تعد مجرد صالات عرض، بل أصبحت منصات رأى عالمى، وبيان يصدر عنها قد يصل تأثيره إلى جمهور أكبر من جمهور كثير من الأفلام.
من وجهة نظرهم.. الصمت هنا ليس حيادًا
فالحياد فى لحظة مأساوية واسعة النطاق يبدو أقرب إلى تجنب الإحراج السياسى منه إلى الحفاظ على استقلال الفن. ولذلك اعتبر بعض السينمائيين أن تجاهل المهرجان للحدث، بينما سبق له إصدار بيانات فى قضايا أخرى، يمثل تناقضًا أخلاقيًا لا فنيًا..المهرجان، حين يدين انتهاكات فى أماكن معينة ويتجنب أخرى، فإنه يخلق معيارًا أخلاقيًا انتقائيًا. ومن وجهة نظرهم، إذا كان المهرجان يتحدث باسم القيم الإنسانية، فلا يمكن أن تكون هذه القيم جغرافية.
بمعنى آخر: السينمائيون لا يريدون تسييس الفن، بل يريدون اتساقه الأخلاقى لكن هل يجب أن يتحول المهرجان إلى منبر سياسى؟
فى المقابل، تخشى إدارات المهرجانات من أن يصبح إصدار موقف رسمى سابقة دائمة. فإذا تحدث المهرجان عن حرب، فهل سيلزم لاحقا بالحديث عن كل الحروب والنزاعات السياسية؟ وهل يتحول البرنامج الفنى واختيار الافلام لاحقا إلى رهينة ضغوط سياسية وإعلامية أكثر من معايير الفن؟
المعضلة الحقيقية هنا ليست سياسية بقدر ما هى مؤسسية:
المهرجان يريد حماية استقلاله، بينما يرى الفنانون أن الاستقلال لا يعنى الصمت الأخلاقى.
التخوف الحقيقى: أن تفقد السينما استقلالها، وأن يتحول المهرجان إلى مؤسسة دبلوماسية لا ثقافية.
المشكلة الأعمق: هل يمكن فصل الفن عن الواقع؟
الحقيقة أن السينما نفسها لا تسمح بذلك.
فأغلب الأفلام المعروضة فى برلين نفسها هذا العام ناقشت الحروب واللجوء، الذاكرة، الخوف، والعنف السياسى. أى إن المهرجان يعرض نتائج السياسة وآثار المأساة على الشاشة، لكنه يتحفظ على الاعتراف بها والتعليق على الواقع خارجها.
وهنا تحديدا يتولد الاحتكاك كيف يمكن للسينما أن تناقش المأساة إنسانيًا، بينما يتجنب المهرجان الاعتراف بها أخلاقيًا؟
ما الذى يكشفه جدل برلين؟
جدل برلين لا يتعلق بغزة فقط، بل بكشف تحول مهم للمهرجانات السينمائية، فقد أصبحت هذه المهرجانات اليوم جزءًا من المجال العام العالمى، ولم تعد مجرد فعاليات فنية. جمهورها لم يعد نقادًا فقط، وصناع افلام ، بل رأى عام. لهذا أصبح الصمت نفسه موقفًا، والكلمة سياسة، والاختيار رسالة.
فى الحقيقة، لا يواجه مهرجان برلين أزمة سياسية بقدر ما يواجه أزمة تعريف.
فالمهرجان الذى بنى سمعته لعقود بوصفه منصة للدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، يجد نفسه اليوم أمام سؤال بسيط لكنه صعب: هل القيم التى يتحدث عنها مطلقة أم انتقائية؟
السينمائيون لا يطالبون المهرجان بأن يكون حزبًا، ولا بأن يصدر بيانات دبلوماسية، بل بأن يتسق مع الصورة التى رسمها لنفسه عبر تاريخه. لأن الفن حين يدافع عن الإنسان داخل الفيلم، ثم يصمت خارجه، فإنه يخاطر بأن يتحول إلى جمال بلا معنى.
ربما يخشى المنظمون تسييس السينما، لكن ما كشفته دورة هذا العام أن السينما لم تكن يومًا خارج السياسة أصلًا.
فالكاميرا لا تقف فى الفراغ، بل فى العالم، والعالم ليس محايدًا.
ولهذا لم يعد السؤال: هل يجب أن يتخذ مهرجان برلين موقفًا؟ بل أصبح السؤال الأصدق: هل يستطيع ألا يتخذ موقفًا؟

