الزمان
جريدة الزمان

وا إسلاماه

ومضات وطقوس وأيقونات شعبية خلال الشهر الفضيل بالأعلى للثقافة

وزيرة الثقافة
محمد عبد المنصف -

برعاية الدكتورة جيهان زكي وزير الثقافة، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، نظم المجلس الأعلى للثقافة فعاليات أونلاين بمناسبة شهر رمضان المبارك، شملت مجموعة من المحاضرات حول العادات والتقاليد الرمضانية، قدمتها الإدارة المركزية للشعب واللجان الثقافية.
استهلت الفعاليات بمحاضرة للدكتور عماد بن صولة من الجمهورية التونسية، وهو باحث وخبير في التراث الثقافي غير المادي، تحدث فيها عن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في تونس، مشيرًا إلى أنه يُعرف شعبيًا باسم «سيدي رومبه» تعبيرًا عن التبجيل والتقدير لهذا الشهر الكريم. وأوضح أن مظاهر الاحتفاء به تتنوع بين الطقوس الدينية والأذكار والأجواء الروحانية، إلى جانب العادات الاجتماعية المرتبطة بالمائدة الرمضانية، حيث تحرص الأسر على إعداد أطباق تقليدية مميزة تتناسب مع طبيعة الشهر، ومن أشهرها طبق «البويك» وعدد من الأطعمة الشعبية الأخرى التي تعكس خصوصية المطبخ التونسي في رمضان.

وفي المحاضرة التالية، تناول الدكتور محمد أبو العلا، مدير مركز الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، شخصية المسحراتي ودوره في الثقافة الشعبية، موضحًا أن هذه المهنة موسمية يمارسها أصحابها إلى جانب مهن أخرى طوال العام. ويجوب المسحراتي الشوارع ليلًا لإيقاظ الصائمين لتناول السحور، مستخدمًا إيقاع الطبلة والأهازيج الشعبية. ومن أشهر ما يردده في مطلع جولته:
«ولا نفتح الباب إلا بالصلاة على الزين
أحمد نبينا وله ورد على الخدين
يا بخت من زاره يرتد فرحان
ولو كان حموله دين».
وأضاف أن المسحراتي يمتلك أسلوبًا طريفًا في مخاطبة الناس، فإذا لم يحصل على مقابل رمزي لعمله قال:
«الجنيه يقول للبخيل طالَت مدتي عندك كأني مسجون، وطالت غربتي عندك، إمتى يؤون الأوان واتفك من عندك».
وأشار إلى أن للتسحير أنماطًا متعددة؛ فهناك «التسحير المبهج» في أول عشرين يومًا من الشهر، ويتضمن حكايات شعبية وقصصًا خفيفة، بينما يظهر في العشر الأواخر ما يُعرف بـ«التوحيش»، حيث يعبر المسحراتي عن الحزن لقرب انتهاء الشهر الكريم.

من جانبه، تحدث الدكتور إبراهيم علوان، مدير عام بوزارة الثقافة بدولة فلسطين، عن ملامح رمضان في المجتمع الفلسطيني، مؤكدًا أن معظم المناطق تشترك في طقوس متقاربة، سواء في الممارسات الاجتماعية أو الأطباق التقليدية. ومن أشهر هذه الأطباق «المقلوبة» و«الفول»، بينما تعد «القطايف» من أبرز الحلويات الرمضانية. كما أشار إلى حضور المسحراتي الذي يجوب الحارات داعيًا الناس إلى السحور، إضافة إلى انتشار فوانيس رمضان في مدينتي القدس والخليل، فضلًا عن تقليد اجتماعي راسخ يتمثل في تفقد الأهل والجيران وتبادل الزيارات خلال الشهر الكريم.
أما الدكتور محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون، فأوضح أن المجتمع المصري زاخر بالعادات والتقاليد التي تعكس تفاعل الإنسان مع حياته اليومية، ويأتي شهر رمضان في مقدمة المناسبات التي تعزز روح التواصل الأسري. وأشار إلى أن «فانوس رمضان» يمثل أحد أبرز الرموز الشعبية التي تطورت عبر الزمن لتصبح أيقونة مصرية بأشكال وأحجام متعددة تزين البيوت والشوارع. كما لفت إلى انتشار «موائد الرحمن» التي تستقبل الصائمين من مختلف الفئات، مؤكدا أن هذا التقليد يرتبط بقيم الكرم والتكافل أكثر من ارتباطه بالفقر. ومن مظاهر الاحتفاء بالشهر أيضًا الأغاني الرمضانية الشهيرة مثل «رمضان جانا» و«وحوي يا وحوي».
وفي السياق نفسه، استعرض الأستاذ خالد سلام بعض ملامح التقاليد الرمضانية في الجمهورية اليمنية، موضحًا أن الأطفال يستقبلون الشهر بملابس جديدة في ليلة الرؤية، ويجوبون الشوارع بالفوانيس. كما يحضر «مدفع رمضان» وقت الإفطار والإمساك في عدد من المدن اليمنية. وتتميز المائدة اليمنية بأطباق تقليدية، من بينها «الشفوت»، وهو طبق يعتمد على الخبز الذي كان يُعد قديمًا على موقد الحطب، إضافة إلى أنواع مختلفة من الحساء التي تختلف مكوناتها من منطقة إلى أخرى. وأشار إلى أن بعض الأسر تفطر في المساجد ثم تعود بعد صلاة التراويح لتناول وجبة العشاء، كما تنتشر الجلسات الاجتماعية والأنشطة الرياضية واللقاءات الثقافية خلال ليالي الشهر، إلى جانب مظاهر التكافل الاجتماعي والاعتكاف في المساجد.

بدوره، أكد الأستاذ أحمد جريو أن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في محافظة قنا تحمل طابعًا مميزًا يختلف عن كثير من المحافظات الأخرى، إذ تنتشر «المنادر» و«الدواوين» التي يتلى فيها القرآن الكريم طوال الشهر، إلى جانب موائد الإفطار التي تقام على الطرق السريعة، حيث يحرص أهل كل قرية على إعداد مائدة للصائمين المارين بالطريق. كما تقام مسابقات لحفظ القرآن الكريم والإنشاد الديني، ويشتهر الصعيد بأصوات قرائه المميزة، فضلًا عن دور الكتاتيب التي تنظم مسابقات دينية بدعم من رجال الأعمال. ويتميز المجتمع الصعيدي كذلك بروح التكافل الاجتماعي، ومن مظاهره «صدقات الخفاء» التي يحرص كثيرون على تقديمها بعيدًا عن الأضواء.

ومن جانبها، أوضحت المهندسة رولا العقيلي، مديرة مديرية التراث اللامادي بوزارة الثقافة في سوريا، أن مظاهر الاحتفال بالشهر الفضيل تتجلى في تزيين الشرفات وواجهات المنازل بزينة رمضان التي تملأ الشوارع، إضافة إلى تجمع العائلات لدى الأجداد في لقاءات أسرية حافلة بالدفء. كما يعد المسحراتي أحد الرموز الشعبية المهمة، حيث ينادي الأطفال بأسمائهم أثناء جولاته الليلية. وتبرز كذلك عادة الاعتكاف في المساجد خلال العشر الأواخر من رمضان، حيث تُقام الصلوات الليلية وتُوزع وجبات السحور على المصلين.

وفي ختام الفعاليات، أشار الدكتور مصطفى جاد، العميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية، إلى أن شهر رمضان في مصر يتميز بعدد من الأيقونات الشعبية الراسخة، على رأسها الاحتفال بليلة الرؤية، داعيًا الشباب إلى الابتكار في تصميم زينة رمضان في السنوات المقبلة. وأوضح أن الفانوس المصري بأشكاله المتعددة، مثل «فانوس أبو نجمة» و«فانوس أبو ولاد»، يمثل إحدى هذه الأيقونات التي أبدع فيها الحرفيون عبر الزمن. كما أشار إلى «فرن الكنافة» الذي يقام خصيصًا خلال الشهر الكريم لإعداد هذه الحلوى الرمضانية الشهيرة، إلى جانب شخصية المسحراتي الذي كان يجوب الشوارع بطبلته المخروطية.
وأضاف أن الموروث الشعبي يقسم شهر رمضان إلى ثلاثة أقسام رمزية: «عشر مرقات» وهي الأيام الأولى التي يكثر فيها تناول الحساء واللحوم، و«عشر خلجات» حيث يبدأ الناس الاستعداد لعيد الفطر وشراء الملابس، و«عشر حلجات» وهي الأيام الأخيرة التي يتركز فيها الاهتمام بإعداد كعك العيد والحلوى التقليدية. وبذلك يظل رمضان مناسبة تجمع بين الروحانية والعادات الاجتماعية التي تعكس ثراء التراث الشعبي في المجتمعات العربية.

اما الدكتور كمال يوسف فقد استعرض لبعض من ملامح الشهر الفضيل بالسودان حيث يتم تحضير نوع معين من الخبز "أيزو" قبل الموسم بشهر ويتجمع السيدات لعمله وتقام الولائم وما يتبعها من أدعية وأمنيات خاصة بقدوم الشهر الفضيل وكذلك يتم تجفيف اللحوم التى سوف تستخدم وذلك لعمل العصيدة حيث اللحم وجبة أساسية وفى رمضان يتجمع الناس للفطور بالشارع ويقام بعد صلاة المغرب والعشاء والأمسيات الخاصة بالذكر والمديح النبوى كما يوجد الخيم الثقافية حيث تقام الأنشطة الثقافية والغناءية والذكر والمداءح وبذلك يظل رمضان مناسبة تجمع بين الروحانية والعادات الاجتماعية التي تعكس ثراء التراث الشعبي في المجتمعات العربية.