الزمان
جريدة الزمان

خارجي

واشنطن بين الدبلوماسية والذكاء الاصطناعي العسكري: وجهان لسياسة واحدة

-

مكان النشر:  https://www.elzmannews.com/section~3

تاريخ النشر: 26 / 6 / 2026 

خارجي

تكشف تحركات واشنطن الأخيرة عن وجهين متلازمين لسياستها في المنطقة: وجه دبلوماسي يسعى إلى ترتيب الملفات السياسية، ووجه عسكري - تقني يعيد تعريف طريقة خوض الحروب. ففي الوقت الذي يقود فيه وزير الخارجية ماركو روبيو اتصالات مكثفة مع لبنان، تتكشف تفاصيل عن دور متنامٍ للذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الأميركية. هذا المقال يقرأ هذين المسارين وما يجمع بينهما.

دبلوماسية نشطة تجاه لبنان

على المسار الدبلوماسي، تلقى رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي جرى خلاله بحث الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة. وأكد الوزير الأميركي وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان، والعمل على تحقيق الأمن والاستقرار فيه، وبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة، ودعم مؤسساتها الشرعية والأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الجيش.

من جهته، شكر عون الوزير الأميركي على دعم بلاده، مشدداً على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية عبر التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، باعتباره ركيزة أساسية لإنجاح المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية المقررة في واشنطن الأسبوع المقبل، بما يضمن استعادة لبنان أمنه وسيادته وسلامة أراضيه.

الوجه الآخر: الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة

في موازاة هذا المسار السياسي، تتكشف ملامح تحوّل عميق في العقيدة العسكرية الأميركية. فقد كشفت الحكومة أن البنتاغون استخدم برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي، العائد لمنصة «إكس»، في شنّ ضربات على إيران خلال الحرب الأخيرة. ويأتي ذلك ضمن «مشروع مايفن»، وهو برنامج الاستهداف العسكري الأميركي المعزز بالذكاء الاصطناعي.

ووفق شهادة مسؤول الذكاء الاصطناعي في البنتاغون كاميرون ستانلي، فإن «أنظمة مايفن الذكية» مكّنت القوات الأميركية من تحقيق نتائج لافتة في زمن قياسي:

  • إطلاق أكثر من ألفي ذخيرة على ألفي هدف مختلف.
  • إنجاز ذلك خلال 96 ساعة فقط أثناء العملية العسكرية.
  • الانتقال من نموذج ذكاء اصطناعي إلى آخر بحسب توافر الأدوات.

وأشاد ستانلي بما وصفه بـ«الكفاءة التشغيلية المحسّنة إلى حدّ كبير» التي أتاحها هذا النموذج.

جدل قانوني وبيئي

لم يخلُ هذا الملف من سجال. فقد جاء الكشف عن استخدام البرنامج ضمن مذكرة تدافع عن توربينات الغاز المستخدمة في مركز بيانات ضخم تابع لشركة «إكس إيه آي»، التي تواجه دعوى قضائية بيئية. ورأت وزارة العدل أن الدعوى «تهدد الأمن القومي والاقتصادي وأمن الطاقة» عبر السعي إلى قطع إمدادات الطاقة عن الابتكار الداعم للعمليات العسكرية. في المقابل، اتهمت جمعية مدافعة عن الحقوق المدنية الشركة بتشغيل عشرات التوربينات دون ترخيص وانتهاك قانون الهواء النظيف.

ومن اللافت أن المشروع اعتمد في بدايته على نموذج آخر تنتجه إحدى الشركات الناشئة، قبل أن تُنهي الحكومة عقودها معها بعدما رفضت السماح باستخدام أدواتها في تنفيذ ضربات آلية بالكامل أو في المراقبة الجماعية، لتتجه الوزارة بعد ذلك إلى منافسين آخرين.

ما الذي يجمع المسارين؟

قد يبدو المساران منفصلين، لكنهما يعكسان معاً طبيعة الدور الأميركي في المنطقة: حضور دبلوماسي يسعى إلى صياغة التسويات، وقوة عسكرية تتسلّح بأحدث أدوات التقنية. وكلاهما يخدم هدفاً واحداً هو تثبيت النفوذ وإدارة الملفات المفتوحة، من لبنان إلى إيران، بأدوات تتراوح بين طاولة التفاوض وخوارزميات الاستهداف.

أسئلة أخلاقية تفرض نفسها

يطرح دخول الذكاء الاصطناعي إلى عملية الاستهداف العسكري أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاهلها. فحين تُسند مهام تحديد الأهداف إلى أنظمة خوارزمية، يصبح السؤال عن حدود القرار البشري في إطلاق النار أكثر إلحاحاً. وقد ظهر هذا التوتر بوضوح حين أنهت الحكومة عقودها مع إحدى الشركات الناشئة بعدما رفضت السماح باستخدام أدواتها في تنفيذ ضربات آلية بالكامل أو في المراقبة الجماعية، لتتجه الوزارة إلى منافسين أكثر مرونة في هذا المجال.

ويعكس هذا التحوّل سباقاً متسارعاً بين كبرى شركات التقنية على عقود الدفاع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من غياب أطر تنظيمية واضحة تحكم استخدام هذه الأدوات في الحروب. فبين الكفاءة التشغيلية التي تتيحها هذه الأنظمة، والمخاطر المرتبطة بتفويض القرار للآلة، يجد صنّاع السياسة أنفسهم أمام معادلة دقيقة توازن بين التفوق العسكري والمسؤولية الأخلاقية.

سباق على أدوات الحرب الرقمية

ويعكس هذا المشهد سباقاً متسارعاً بين القوى الكبرى على امتلاك أدوات الحرب الرقمية، إذ بات الذكاء الاصطناعي عنصراً حاسماً في موازين القوة العسكرية. ومع غياب أطر دولية ناظمة، تتزايد المخاوف من أن تتحوّل هذه التقنيات إلى ساحة تنافس مفتوح، تتقدّم فيه القدرات على الضوابط الأخلاقية والقانونية، بما يطرح تحديات جديدة أمام مفهوم المسؤولية في الحروب الحديثة.

في الختام

يتضح أن السياسة الأميركية تُدار اليوم على جبهتين متوازيتين، تجمعان بين الكلمة والتقنية. وإذا كانت الدبلوماسية تبحث عن استقرار سياسي، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحات القتال يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة حول مستقبل الحروب. فبرأيك، إلى أي حدّ ينبغي أن يُترك القرار العسكري لأنظمة الذكاء الاصطناعي؟ شاركنا رأيك في هذا التحول الخطير.