لبنان بين نزيف الجنوب المتواصل ومسار تفاوضي بطيء مع إسرائيل
في الوقت الذي يحاول فيه لبنان التقاط أنفاسه بعد سنوات من الحرب والدمار، لا تزال جراحه في الجنوب مفتوحة ونازفة، فيما يتابع كثيرون تطورات الميدان والمفاوضات معاً عبر متابعة حرب لبنان مباشرة على مدار الساعة. فبينما تتقدّم المسيّرات والمدفعية الإسرائيلية شبه اليومية في القرى الجنوبية، تتقدّم في موازاتها طاولة مفاوضات في روما يُفترض أن تفضي إلى انسحاب إسرائيلي وعودة إلى الاستقرار. هذه المفارقة، بين ميدان مشتعل وطاولة تفاوض بطيئة الخطى، هي ما يعيشه لبنان اليوم، بلد يحاول أن يداوي جراحه بينما جاره الجنوبي لا يمنحه فرصة كافية لالتقاط الأنفاس.
جراح الجنوب لا تزال مفتوحة
الوقائع الميدانية التي وثّقتها التقارير الإخبارية في يوم واحد فقط تعكس حجم الضغط المستمر على القرى والبلدات الجنوبية. فقد شهدت مناطق عدة عمليات استهداف متنوعة، منها:
- تفجيرات نفذها الجيش الإسرائيلي في بلدة حداثا هزّت محيطها.
- غارة استهدفت أطراف بلدة دير سريان.
- تفجيرات عنيفة ومتكررة في محيط جنوب لبنان خلال ساعات المساء.
- إلقاء مسيّرة إسرائيلية مواد متفجرة وحارقة قرب حي الجامعات عند أطراف كفررمان.
- إلقاء قنبلة صوتية على عمال سوريين عند أطراف بلدتي كفرا وحاريص.
- قصف مدفعي متقطع طاول دوحة كفررمان وبلدة زوطر الشرقية، ترافق في الأخيرة مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة.
- استهداف مسيّرة لعناصر من الدفاع المدني أثناء إخماد حريق أعشاب في منطقة النبطية، ما استدعى انسحاب فرق الإطفاء إلى مكان آمن.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفر استهداف إسرائيلي في مدينة النبطية عن سقوط جريحين وتضرّر سيارة إسعاف، في وقت لم تُسجَّل فيه إصابات في معظم الحوادث الأخرى المذكورة. هذا التفاوت بين الحوادث "من دون إصابات" وأخرى أدت إلى جرحى يوضح أن التصعيد، وإن كان متفاوت الحدة، ما زال يهدد حياة المدنيين ورجال الإنقاذ في آنٍ واحد.
مسار التفاوض في روما: تقدّم حذر
في المقابل، تشير المعطيات الأميركية إلى أن الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية أنجزت في روما تفاصيل تتعلق بتنفيذ ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية"، وتوافقت على معايير تشغيلية وخرائط مشتركة، إضافة إلى خريطة طريق قد تتيح لاحقاً التوسع نحو مناطق تجريبية جديدة. كما تناولت المباحثات آلية تحقق من طرف ثالث من عمليات الجيش اللبناني في المناطق التي يعمل على إخلائها، علماً أن الجهة التي ستتولى هذه المهمة لم تُحدَّد بعد، فيما استُبعد أن تكون "اليونيفيل" هي المعنية بها.
ماذا بعد؟
من المقرر أن يُستأنف المسار السياسي في روما مطلع أيلول، على أن تتواصل خلال الفترة الفاصلة محادثات موازية في بيروت والقدس وواشنطن، إلى جانب مناقشات مدنية مباشرة بين الجانبين حول عدد من الملفات. وقد أقرّ مسؤول أميركي بصعوبة هذا المسار، مؤكداً أن واشنطن "ليست ساذجة حيال الصعوبات"، فيما اتُّهم حزب الله من الجانب الأميركي بمحاولة عرقلة العملية، وسط ضغوط سياسية داخلية في كل من لبنان وإسرائيل تزيد من تعقيد المشهد.
تصريحات متفائلة من واشنطن
في موازاة ما يجري ميدانياً، أدلى السفير الأميركي بتصريح اعتبر فيه أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية "تتقدّم"، مشيراً إلى اهتمام الإدارة الأميركية، وتحديداً الرئيس ترامب، بتحقيق سلام في لبنان. هذا الخطاب الأميركي المتفائل يتقاطع مع ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن تشديد إسرائيل الحصار على عناصر مسلّحة توصف بأنها متمركزة تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر جنوبي لبنان، مع قطع خطوط إمداد المياه عن البنية التحتية هناك، وفق ما نقلته تلك المصادر. هذه المعطيات، وإن اختلفت مصادرها، تعكس مشهداً معقداً تتداخل فيه الرسائل الدبلوماسية مع الإجراءات الميدانية المتشددة، بما يزيد من صعوبة قراءة المسار المقبل بوضوح تام.
بين الميدان والطاولة: مفارقة لبنانية
هذه الازدواجية بين تقدّم دبلوماسي معلن واستمرار الخروقات الميدانية تضع لبنان في موقع صعب: بلد يُطلب منه الالتزام بمدرجات اتفاق هش بينما يتعرض يومياً لعمليات عسكرية تطال قراه وبناه التحتية وسكانه المدنيين. الرئيس جوزف عون اعتبر أن المفاوضات تحقق تقدماً، وأنها تبقى، على أي حال، أفضل من نتائج حرب مدمرة سبق أن عاشها لبنان. كما شدّد على أن اللبنانيين متفقون على أهداف واضحة: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأسرى، وإعادة إعمار ما تهدّم، مؤكداً أن لبنان لن يقبل ببقاء إسرائيل ولو على شبر واحد من أرضه.
إعادة الإعمار: الانتظار الذي طال
من الملفات التي طُرحت في المحادثات الثنائية بين لبنان وواشنطن، ملف الدعم اللازم في الوقت المناسب لعملية إعادة الإعمار. فبينما تتواصل الأضرار الميدانية في القرى الجنوبية، يبقى ملف الإعمار مرتبطاً عملياً بمدى تقدّم المسار التفاوضي وبمدى التزام الأطراف بوقف العمليات العسكرية على الأرض. وهذا يعني أن أي تأخير في التنفيذ ينعكس مباشرة على قدرة السكان في القرى المتضررة على العودة إلى منازلهم وإعادة بناء حياتهم اليومية.
في الختام
يبقى المشهد اللبناني اليوم محكوماً بمعادلة دقيقة: مسار تفاوضي يسير خطوة خطوة نحو ترتيبات جديدة، وميدان لا يزال يشهد خروقات يومية تطال بلدات وسكاناً في الجنوب. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الذي يشغل كثيرين: هل تستطيع الجهود الدبلوماسية أن تلحق بوتيرة التصعيد الميداني قبل أن تتسع الفجوة بين ما يُتفاوض عليه وما يحدث فعلياً على الأرض؟ لمتابعة أدق التفاصيل لحظة بلحظة، يُنصح بمتابعة المصادر الإخبارية الموثوقة التي تغطي هذا الملف بشكل مستمر.

