الزمان
جريدة الزمان

تكنولوجيا

سوق البيانات المنسية.. هواتفكم المستعملة مناجم ذهب للمبتزين وقراصنة الإنترنت

أحمد سعيد -

يهرع ملايين المستهلكين سنويا لتحديث هواتفهم الذكية، والتخلص من أجهزتهم القديمة عبر بيعها في أسواق المستعمل للاستفادة من ثمنها، ولكن الأغلبية العظمى تغفل عن حقيقة مرعبة؛ أجهزتهم القديمة لا تذهب إلى المشتري الجديد "نظيفة" كما يظنون، فخلف واجهات المتاجر البراقة، يزدهر ما بات يعرف دوليا في الأوساط التقنية بـ"سوق البيانات المنسية"، إذ تتحول الصور الشخصية، والوثائق البنكية، وحتى البصمات الحيوية، إلى بضاعة قابلة للاستعادة والابتزاز الرقمي.

و"الزمان" تفتح هذا الملف الحيوي المستند إلى أحدث الأرقام والدراسات الموثقة من كبرى شركات الأمن السيبراني والمراكز البحثية الدولية؛ لتكشف كيف يتحول "الإهمال الرقمي" البسيط إلى كابوس يهدد خصوصية الأفراد ويدمر حياتهم.

- الوهم الأكبر.. "الفورمات" لا يحمي أسرارك!

يعتقد المستخدم التقليدي، أن الضغط على زر "إعادة ضبط المصنع" (Factory Reset) كاف لمسح تاريخه الرقمي بالكامل وإعادة الهاتف إلى حالته الخام، لكن الأبحاث العلمية الصادمة تثبت عكس ذلك؛ فعملية المسح التقليدية في معظم الهواتف لا تحذف الملفات فعليا، بل تخفي فقط "المؤشر" الرقمي الذي يدل عليها، مما يترك البيانات الأصلية مخزنة في الذاكرة وعرضة للوصول إليها بسهولة.

وفي هذا السياق، تكشف دراسة معمقة أجراها فريق البحث والتحليل العالمي التابع لشركة "كاسبرسكي" (Kaspersky) للأمن السيبراني، بعد فحص مئات الأجهزة الإلكترونية المستعملة المعروضة للبيع، أن 90% من تلك الأجهزة احتوت على بقايا بيانات متبقية من أصحابها السابقين.

الأخطر من ذلك، بحسب الدراسة، هو أن 16% من الأجهزة منحت الباحثين وصولاً مباشراً للبيانات دون الحاجة لأي أدوات اختراق نتيجة إهمال المستخدمين، في حين أن 74% من الأجهزة تم استخراج ملفاتها الحساسة باستخدام برمجيات استعادة الملفات الشائعة (File-carving) والمتاحة مجاناً على الإنترنت.

وتتقاطع هذه النتائج مع تقارير مؤسسات إتلاف البيانات مثل (Document Shredding)، والتي تؤكد أن نحو 45% من المستخدمين يبيعون أجهزتهم دون اتخاذ أي تدابير أمنية حقيقية.

- التشريح الرقمي.. كيف يُستغل ماضيك؟

البيانات الرقمية لا تموت بمرور الوقت، وبمجرد وقوع الهاتف القديم في الأيدي الخطأ — سواء كانوا تجار بيانات، أو قراصنة، أو شبكات ابتزاز — تبدأ عملية "تشريح رقمي" ممنهجة لاستخراج ثلاثة أنواع من الكنوز:

أولا: سرقة الهوية (Identity Theft): أثبتت دراسة نشرتها منصة "إميرالد إنسايت" (Emerald Insight) الأكاديمية، أن المهاجمين لا يبحثون فقط عن الصور، بل يركزون على استعادة ملفات تعريف التطبيقات وحسابات التواصل الاجتماعي المفتوحة سابقاً. هذا يتيح لهم تحديد هوية المالك بدقة، ومعرفة نطاقه الاجتماعي، وانتحال شخصيته لاحقاً للاحتيال على أقاربه أو اختراق حساباته الحالية.

ثانيا: الابتزاز بالملفات الحساسة: تعد الصور العائلية ومقاطع الفيديو الشخصية الوقود الأول لعمليات الابتزاز الإلكتروني.

وتؤكد التقارير الأمنية، وجود عصابات منظمة تشتري الهواتف القديمة "بالجملة" من محلات الصيانة، بهدف وحيد وهو البحث عن محتوى خاص لتهديد أصحابه ومطالبتهم بمبالغ مالية ضخمة.

ثالثاً: قرصنة الحسابات البنكية: وفقاً لبحث نُشر في مؤتمر تقنيات تعزيز الخصوصية (PETS)، تبيّن أن الأجهزة المستعملة تحتوي في كثير من الأحيان على كلمات مرور مخزنة في ذاكرة التخزين المؤقت، ومفاتيح تشفير خاصة بالعملات الرقمية، وصور للهويات الشخصية والبطاقات الائتمانية كافية تماماً للتسلل إلى الحسابات المصرفية وإفراغها.

- مليار دولار تضاعف الأزمة

ما يضع المجتمعات أمام معضلة أمنية غير مسبوقة هو النمو الهائل في هذا القطاع؛ حيث يشير تقرير مؤسسة "كاستم ماركت إنسايتس" (Custom Market Insights) للأبحاث، إلى أن حجم سوق الهواتف المحمولة المستعملة والمجددة عالمياً تجاوز 42.3 مليار دولار، وسط توقعات بقفزه سريعاً ليتخطى حاجز الـ 51.8 مليار دولار.

هذا التدفق المليوني للأجهزة يوميا في الأسواق يفرز مخاطر مرعبة، خاصة في ظل غياب تشريعات قانونية إلزامية تجبر محلات ومنافذ بيع الهواتف المستعملة على القيام بـ"التطهير الرقمي الواعي" للأجهزة قبل إعادة عرضها للمستهلك الجديد.

- الجدار الناري.. كيف تحمي نفسك قبل البيع؟

لتجنب الوقوع في فخ "مفرمة" سوق البيانات المنسية، يضع خبراء الأمن السيبراني عبر "الزمان" خطة عمل حاسمة من 4 خطوات لتطهير الهاتف تماماً قبل بيعه:

تشفير الجهاز أولاً (Encryption): قبل القيام بأي مسح، يجب الدخول إلى إعدادات الأمان في الهاتف وتفعيل خيار "تشفير الهاتف" (مفعل تلقائياً في الأنظمة الحديثة). هذه الخطوة تضمن أنه حتى لو استعاد أحدهم الملفات، فلن تظهر له سوى رموز مبهمة مستحيلة القراءة.

تسجيل الخروج يدويًا: يجب إزالة حسابات "جوجل" أو "آي كلاود" وحسابات التواصل الاجتماعي يدوياً من الجهاز، وتعطيل خاصية "العثور على هاتفي" قبل مسح النظام، لقطع صلة الهاتف بالسحابة الإلكترونية.

تدمير الذاكرة بـ"الكتابة الفوقية" (Overwriting): بعد عمل التشفير وإعادة ضبط المصنع الأولى، يُنصح بفتح كاميرا الهاتف وتصوير فيديو طويل لجدار صامت أو مساحة فارغة بدقة عالية حتى تمتلئ ذاكرة الهاتف تماماً، ثم إعادة مسحه (Factory Reset) مرة أخرى. هذه العملية تضمن استبدال ملفاتك القديمة بملفات وهمية جديدة، مما يجعل استعادة البيانات الأصلية أمراً مستحيلاً هندسياً.

تفقد المنافذ المادية: ينسى الكثير من المواطنين بطاقة الذاكرة الخارجية (Micro SD) أو شريحة الاتصال (SIM) داخل الهاتف، وهي تمثل الصيد الأسهل للقراصنة لاسترجاع البيانات بنسبة 100%.

خلاصة القول: إن هاتفكم القديم ليس مجرد قطعة خردة تبيعونها لبضعة آلاف من الجنيهات، بل هو "صندوق أسود" يحمل تفاصيل حياتكم وعائلاتكم وأسراركم؛ فلا تتركوا مفاتيحه منسية في سوق لا يرحم غفلة البائعين.