"مصر وCOP18 القادم.. من استضافة المؤتمرات إلى قيادة أجندة الأرض والجفاف"

أكد الدكتور فوزى العيسوى يونس، رئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء، واستشاري البصمة الكربونية والاستدامة البيئية
و مدير الحوار المفتوح لتغير المناخ بمصر مابعد COP27.
استعداد جمهورية مصر العربية لمرحلة جديدة في مسيرتها مع العمل البيئي الدولي مع استضافتها المرتقبة للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP18) بمدينة شرم الشيخ عام 2028. ولا يمكن النظر إلى هذه الاستضافة باعتبارها مجرد حدث دولي جديد يضاف إلى قائمة المؤتمرات التي استضافتها مصر بل تمثل امتداداً لمسار طويل من الحضور المصري الفاعل في قضايا البيئة والمناخ والتنوع البيولوجي والأراضي.
ففي عالم يزداد فيه الضغط على الموارد الطبيعية وتتسع فيه رقعة الأراضي المتدهورة ويصبح الجفاف أحد أخطر التحديات التي تهدد الأمن الغذائي والمائي تكتسب استضافة مصر لـCOP18 أهمية خاصة ليس فقط بالنسبة لمصر وإنما للقارة الأفريقية والمنطقة العربية والدول الأكثر هشاشة أمام آثار تغير المناخ والتصحر.
مسيرة اتفاقية مكافحة التصحر.. من باريس إلى شرم الشيخ
بدأت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) عام 1994، عندما تم اعتمادها في باريس باعتبارها أول اتفاقية دولية ملزمة قانونياً تتعامل بصورة مباشرة مع قضية التصحر وتدهور الأراضي والجفاف. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في ديسمبر 1996 ثم عُقد مؤتمر الأطراف الأول في العاصمة الإيطالية روما عام 1997.
ومنذ ذلك التاريخ تطورت أجندة الاتفاقية بشكل كبير. فلم تعد قضية التصحر تُناقش باعتبارها مشكلة بيئية محلية أو إقليمية بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بقضايا الأمن الغذائي والمياه والهجرة والفقر والاستقرار الاقتصادي بل والأمن الإنساني في العديد من المناطق.
ومع مرور السنوات أصبح واضحاً أن العالم لا يستطيع تحقيق أهداف التنمية المستدامة أو مواجهة آثار تغير المناخ دون التعامل الجاد مع قضية الأراضي. فالأرض هي نقطة الالتقاء بين الغذاء والمياه والمناخ والتنوع البيولوجي وأي خلل فيها ينعكس على جميع هذه الملفات.
محطات فارقة على طريق COP18
شهدت السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في الاهتمام العالمي بقضايا الجفاف واستعادة الأراضي وكان ذلك واضحاً في عدد من مؤتمرات الأطراف الأخيرة.
في COP15 بمدينة أبيدجان عام 2022 تم اعتماد 38 قرارا هدفت إلى تعزيز قدرة المجتمعات والدول على مواجهة الجفاف والحد من تدهور الأراضي كما برز برنامج أبيدجان كأحد المبادرات المهمة لدعم الاستثمارات في استعادة الأراضي والتنمية المستدامة.
ثم جاء COP16 في الرياض عام 2024 ليؤكد أن قضية الجفاف أصبحت قضية عالمية تتطلب شراكات وتمويلا وآليات تنفيذ أكثر قوة. وشهد المؤتمر إطلاق "شراكة الرياض العالمية للصمود في وجه الجفاف" التي استهدفت دعم الدول والمجتمعات الأكثر تضررا من هذه الظاهرة.
أما COP17 الذي انعقد في أولان باتور بمنغوليا خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026 تحت شعار "استعادة الأرض.. استعادة الأمل" فقد حمل رسالة واضحة مفادها أن العالم لم يعد يملك رفاهية تأجيل التعامل مع أزمة الأراضي والجفاف.
ورغم أن بعض الملفات الكبرى، وعلى رأسها الاتفاق العالمي بشأن الجفاف لم تصل بعد إلى صيغة نهائية فإن المؤتمر شهد خطوات مهمة من بينها تطوير مؤشر للصمود في وجه الجفاف، وإطلاق آليات جديدة لتشجيع الاستثمار في هذا المجال، إلى جانب حشد تمويلات جديدة لدعم استعادة الأراضي.
ولعل من أهم ما خرج به المؤتمر هو تعزيز مكانة ملف الجفاف على جدول الأعمال الدولي بما يمهد الطريق أمام COP18 ليكون محطة حاسمة في الانتقال من الحوار السياسي إلى آليات أكثر وضوحا للتنفيذ والتمويل والمساءلة.
مصر.. حضور متواصل في قلب الدبلوماسية البيئية
لم تأت استضافة مصر لـCOP18 من فراغ. فقد رسخت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية مكانتها كأحد الفاعلين الرئيسيين في منظومة العمل البيئي متعدد الأطراف.
ففي عام 2018 استضافت مصر مؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي COP14 في شرم الشيخ تحت شعار "الاستثمار في التنوع البيولوجي من أجل الناس". وكان المؤتمر محطة مهمة في تعزيز الحوار العالمي حول مستقبل التنوع البيولوجي ودور الطبيعة في تحقيق التنمية المستدامة.
ثم جاءت استضافة COP27 للمناخ في شرم الشيخ عام 2022 لتمنح مصر حضورا دوليا أكثر قوة. وقد نجحت الرئاسة المصرية للمؤتمر في الدفع باتجاه تحويل كثير من النقاشات المناخية من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ كما ارتبط المؤتمر تاريخيا بإقرار إنشاء صندوق الخسائر والأضرار لدعم الدول النامية الأكثر تضررا من آثار تغير المناخ.
وبين COP14 وCOP27 ثم الاستعداد لـCOP18 تتشكل صورة واضحة لاستراتيجية مصرية تقوم على أن القضايا البيئية ليست ملفات منفصلة وإنما منظومة مترابطة تجمع بين المناخ والأرض والمياه والتنوع البيولوجي والتنمية.
كما لعبت مصر دورا مهما في القارة الأفريقية من خلال رئاستها لمؤتمر وزراء البيئة الأفارقة ومساهمتها في تنسيق المواقف الأفريقية والدفاع عن أولويات القارة في المفاوضات البيئية الدولية.
المشاركة المصرية في COP17.. خطوة نحو شرم الشيخ 2028
جاءت المشاركة المصرية في COP17 بمنغوليا في إطار هذا الدور المتنامي. فقد شارك خبراء مصريون ومن بينهم ممثلو المؤسسات البحثية المتخصصة مثل مركز بحوث الصحراء في عدد من الفعاليات والاجتماعات الفنية والتفاوضية.
وشهدت الاجتماعات العربية نقاشات حول تعزيز التنسيق بين الدول العربية في ملفات مكافحة التصحر والتنوع البيولوجي والعمل على تطوير آليات مشتركة لتوحيد الرؤى والمواقف التفاوضية.
كما أتيحت الفرصة لاستعراض عدد من التجارب المصرية في مجالات استعادة النظم البيئية وإدارة الأراضي الجافة، وحصاد مياه الأمطار خاصة في مناطق الساحل الشمالي الغربي والمناطق الصحراوية.
وتحمل هذه التجارب رسالة مهمة: وهي أن مواجهة التصحر لا يمكن أن تتم من خلال مشروع منفصل لزراعة الأشجار أو مكافحة زحف الرمال فقط وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين إدارة المياه وحماية التربة والتنمية الزراعية وتمكين المجتمعات المحلية والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف وادارة الكربون والتحول نحو الزراعة الذكية منخفضة الكربون.
ومن هنا يمكن اعتبار المشاركة المصرية في COP17 خطوة عملية ضمن مسار الاستعداد المبكر لاستضافة COP18.
ماذا يعني COP18 بالنسبة لمصر؟
على المستوى الوطني تمنح استضافة COP18 مصر فرصة كبيرة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي ودولي للحوار البيئي كما يمكن أن تسهم في جذب المزيد من الاستثمارات والتمويلات الموجهة لمشروعات استعادة الأراضي وإدارة الجفاف، والزراعة المستدامة، وحماية الموارد الطبيعية.
ويمكن للمؤتمر أيضا أن يفتح المجال أمام الجامعات والمراكز البحثية المصرية والقطاع الخاص والمجتمع المدني للمشاركة بصورة أكبر في المبادرات الدولية وتقديم التجارب المصرية كنماذج قابلة للتوسع في البيئات الجافة وشبه الجافة.
أما على المستوى الإقليمي فإن استضافة مصر للمؤتمر تمثل فرصة لتعزيز الصوت الأفريقي والعربي، خاصة وأن المنطقة تضم عددا كبيرا من الدول التي تواجه تحديات متشابهة تشمل ندرة المياه وتدهور الأراضي والتصحر وتراجع الإنتاجية الزراعية.
وعلى المستوى الدولي يمكن أن يشكل COP18 محطة مهمة لاستكمال الملفات التي لم تحسم في المؤتمرات السابقة وعلى رأسها تطوير إطار عالمي أكثر قوة لمواجهة الجفاف، وتحسين آليات التمويل وتعزيز الاستثمارات في استعادة الأراضي.
من المؤتمرات إلى بناء الإرث
القيمة الحقيقية لاستضافة مؤتمر بحجم COP18 لن تقاس فقط بعدد الوفود المشاركة أو حجم الفعاليات التي ستقام في شرم الشيخ وإنما بما سيبقى بعد انتهاء المؤتمر.
النجاح الحقيقي سيكون في بناء إرث طويل المدى يتمثل في مشروعات جديدة وشراكات دولية وقدرات علمية وبحثية واستثمارات في المناطق المتضررة من التصحر وبرامج لدعم المجتمعات الأكثر هشاشة.
وهنا تمتلك مصر فرصة مهمة لتقديم نموذج مختلف يقوم على الربط بين العلم والسياسة والتنمية والمجتمع وبين استعادة الأراضي وتحقيق الأمن الغذائي والمائي.
إن استضافة مصر المتتالية لمؤتمرات الأطراف الكبرى في التنوع البيولوجي والمناخ ومكافحة التصحر تعكس تحولا واضحا في موقعها داخل خريطة الدبلوماسية البيئية العالمية.
فمن COP14 للتنوع البيولوجي عام 2018 إلى COP27 للمناخ عام 2022 وصولاً إلى الاستعداد لاستضافة COP18 لمكافحة التصحر عام 2028 تواصل مصر بناء مسار يقوم على فكرة أساسية: أن مستقبل التنمية لا يمكن فصله عن مستقبل البيئة.
وقد تكون شرم الشيخ في 2028 أكثر من مجرد مدينة تستضيف مؤتمراً دوليا جديدا؛ فقد تصبح منصة عالمية لإعادة التفكير في علاقتنا بالأرض والمياه والغذاء ولإطلاق مرحلة جديدة من العمل الجماعي لمواجهة الجفاف وتدهور الأراضي.
وفي النهاية يمكننا القول بأن الرسالة الأهم التي يمكن أن تقدمها مصر للعالم من خلال COP18 هي أن استعادة الأرض ليست قضية بيئية فقط بل هي استثمار مباشر في مستقبل الإنسان، وأمن المجتمعات وقدرة الأجيال القادمة على الحياة والتنمية.

