الزمان
جريدة الزمان

وا إسلاماه

وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة اليوم.. «الإبداع والابتكار في العهد النبوي»

خطبة الجمعة
إيمان محمد -

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم، المقرر إقامتها في مختلف مساجد الجمهورية، تحت عنوان «الإبداع والابتكار في العهد النبوي»، في إطار توجيه رسائل توعوية للمصلين حول أهمية الابتكار ورعاية المواهب وتشجيع أصحاب القدرات المتميزة.

وأوضحت وزارة الأوقاف أن الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد من خلال الخطبة يتمثل في بيان كيف كان النبي ﷺ يحث على الابتكار ويدعمه، ويرعى الموهبة والموهوبين، بما يبرز أهمية اكتشاف القدرات وتنميتها والاستفادة منها.

وتتناول الخطبة الثانية موضوعًا مرتبطًا ببداية مرحلة جديدة للطلاب، وهو «بداية العام الدراسي الجديد»، بما يتناسب مع قرب انطلاق العام الدراسي وما يمثله من أهمية للطلاب والأسر.

نص الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب منارة للسالكين، وجعل السنة النبوية بيانا وهدى للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المنفرد بالخلق والتدبير، الذي علم الإنسان ما لم يعلم وأعطاه العقل ميزانا للتفكير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صاحب الفهم الأوفى، والنظر الأسمى، الذي أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم المآب، أما بعد، فيا عبد الله:

1- تذوق جمال الأساليب النبوية المبتكرة في التعليم والتربية: فقد أسس المعلم الأول (صلى الله عليه وسلم) مدرسة تربوية متكاملة تجمع بين أصالة الغاية ومرونة الوسيلة، فقد كان ينوع في أساليب تعليمه لجذب الانتباه وإيقاظ القلوب، فيستخدم أسلوب النداء الحاني ويتخير الكلام البين الفصل نائيا عن التشدق والتكلف، ويرفع صوته ويكرر الكلمات ثلاثا لتثقيف الأذهان وطرد الغفلة، ويصغي لكل سائل بكليته حتى يفرغ من حديثه، ويأمر بالإنصات التام لقول الله تعالى أو لحديثه الشريف، ويطرح الأسئلة الذكية المشفوعة بالتشويق لقياس المدارك، كما كان يعلم بالقدوة العملية، ويراعي الفروق الفردية، ويعتمد الحوار والإقناع العقلي الهادئ، ويسرد القصص المؤثر لغرس اليقين، ويضرب الأمثال الموضحة للمعاني، ليصدق في حضرته هذا الوصف الإلهي الخالد: ﴿هو ٱلذی بعث فی ٱلۡأمیۦن رسولࣰا منۡهمۡ یتۡلوا۟ علیۡهمۡ ءایٰتهۦ ویزكیهمۡ ویعلمهم ٱلۡكتٰب وٱلۡحكۡمة وإن كانوا۟ من قبۡل لفی ضلٰلࣲ مبینࣲ﴾.

2- انظر جمال المنهج النبوي المعظم في تبني الأفكار المبتكرة من أصحابه واستثمار طاقاتهم: فقد كان يتيح لهم أن يقدموا الحلول الجديدة، والأفكار المبدعة، فأخذ برأي الحباب بن المنذر في غزوة بدر، وبإبداع سلمان الفارسي في حفر الخندق، ومشورة أم سلمة في صلح الحديبية، فلم يتعامل مع أصحابه على أنهم نسخ متشابهة، بل عرف مواهبهم، فأثنى على قراءة ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، ووجه زيد بن ثابت لتعلم اللغات، واستثمر عبقرية خالد بن الوليد العسكرية، وولى أسامة بن زيد قيادة الجيش إيمانا بالكفاءة والمقدرة، مصداقا لقوله ﷺ: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».

3- تتبع بعين البصيرة الحال النبوي المكرم كيف جعل من العبادة أساسا للعلم ومنطلقا للإبداع: فمن محراب التعبد انطلق لتأسيس مجتمع المعرفة والعمل، فجعل فداء أسرى بدر تعليم الصبيان القراءة والكتابة، واتخذ المسجد منارة للعلم والتربية، واستخدم الإشارات الحركية ولغة الجسد لتسهيل المعلومة، واستعان بالرسوم التوضيحية والخطوط على الأرض لتوضيح المقصود، وترك المجال لصحابته ليستنبطوا الجواب بأنفسهم، ووظف الاستفهام لإثارة الانتباه، وشجع المتعلمين على السؤال، وقيم السائل بما يليق بحاله، وصحح إجابته بحنان ولطف، لتقدم هذه المنظومة المتكاملة خارطة طريق فريدة نستمطر منها أروع وسائل التحفيز واحتضان العقول وبناء الأجيال المبدعة، مصداقا لقول النبي الأمين ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة».

4- استبصر المنهج القرآني في إعمال العقل وإبداع الفكر: فهو دعوة ربانية متجددة لعقلك، تجعلك تطوف في ملكوت الله باحثا عن إبداع خالقك، وجميل صنع الله في نفسك، فتغدو بين تفكر وتدبر، وسؤال وجواب، ونظر وإبداع، لتستحضر عظمة الإبداع الإنساني المسدد بنور الوحي، أفلا نظرت في قصة ذي القرنين الذي كان عنوانا للإتقان، وعجائب الصنائع لداود وسليمان، وحكمة يوسف عليه السلام في إدارة البلدان، وهمة الجناب المعظم في إظهار المواهب الدفينة؟، أراك بهذا قد وقفت على المنهج الرباني الفريد الذي أنار العقول الواعية، واستنهض الأفكار المبدعة، لتستخرج من كنوز الكون وسائل تحقق المقاصد، وتصون المصالح، وتقيم البنيان، وتبني الإنسان، وتصنع حضارة، فابعث بالتفكير همتك، وأيقظ طاقة الإبداع في داخلك، وأمعن النظر في الكون من حولك امتثالا لقول الحق سبحانه في محكم التنزيل: ﴿إن فی ذٰلك لءایٰتࣲ لقوۡمࣲ یتفكرون﴾.

نص الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد:

فيا أيها الأب المكرم: مع بدايات عام دراسي جديد، تتجدد فيه الآمال، وتزداد فيه الطموحات التي تتطلب عملا جادا ومسيرة دؤوبة، لأن العلم رعاية، واكتشاف المواهب غاية، وصقل العقول عناية، لا تنفع فيها الأمنيات، فاجعل رعايتك لولدك، وعنايتك بطفلك غاية تتقرب بها إلى الله، واليوم إذ نستقبل عاما دراسيا جديدا نستلهم فيه قيم الوفاء التي ترتقي بعقول الأبناء ، إذ الوفاء لهذا الهدي النبوي العظيم يكون بتحويله إلى ثقافة تعليمية وممارسات عملية؛ نشجع فيها أطفالنا على السؤال، ونطور في مدارسنا وجامعاتنا التعليم ليقوم على الإبداع والابتكار والفهم والتحليل وحل المشكلات، ونبني في مؤسساتنا بيئة ترحب بالمبادرات وتكافئ المبدعين، عملا بقوله سبحانه: ﴿یرۡفع ٱلله ٱلذین ءامنوا۟ منكمۡ وٱلذین أوتوا۟ ٱلۡعلۡم درجٰتࣲۚ﴾.

يا طالب العلم: اجعل الجد والاجتهاد وإخلاص النية لله منهج حياتك، وتخلق بأدب المتعلمين وتواضع الصالحين في كل أحوالك، كن حريصا على طلب العلم بالبكور والنشاط، واصبر على مشاق التحصيل ورحلته كرحلة الأنبياء والعلماء، مبتعدا عن الغرور والاعتداد بالنفس، مستلهما عزم العظماء والنابغين، وحين تجعل طلبك لله وحده، وتوقر معلمك، وتأخذ الكتاب بقوة وعزيمة، عندها تنال رفعة الدرجات وخشية رب البريات، كما وعد الله سبحانه أهل الإيمان والعلم بقوله: ﴿إنما یخۡشى ٱلله منۡ عباده ٱلۡعلمٰۤؤا۟ۗ﴾.