مزاد البيت الأبيض: حين يظن ترامب أن وعي الأميركيين يُشترى بشيكات انتخابية
يبدو أن عقلية المضارب العقاري ونجم تلفزيون الواقع لا تزال تطغى بالكامل على نظرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة شؤون دولة عظمى؛ إذ يتعامل مع المواطنين وكأنهم زبائن في مزاد تجاري يمكن استمالتهم بصفقة رابحة تُبرم تحت الطاولة. فمن داخل منتجعه للغولف في دونبيج بأيرلندا، خرج الرجل ليطلق تعهداً يحمل قدراً هائلاً من الاستخفاف بالشارع الأميركي، واعداً بمنح كل مواطن بالغ خمسة آلاف دولار نقداً من خزينة الدولة، لكن بمقابل صريح ومكشوف: أن يحتفظ حزبه الجمهوري بالأغلبية في الكونغرس. إنها محاولة مكشوفة لاستغلال الأعباء المعيشية والالتفاف على الإخفاقات الاقتصادية المتراكمة، عبر التلويح برزم الدولارات كطُعم انتخابي مباشر، متوهماً أن إرادة الناخبين وقناعاتهم سلع معروضة للبيع في سوق السياسة.
فلسفة "الأرباح" في دولة تغرق في الديون
طرح ترامب فكرته تحت مسمى استعراضي برّاق أسماه "توزيعات ترامب"، متقمصاً دور رئيس مجلس إدارة شركة خاصة قرر توزيع عوائد أسهم على المساهمين احتفاءً بطفرة مالية استثنائية. غير أن المفارقة الهزلية في هذا التشبيه تتكشف بمجرد النظر إلى الأرقام الحقيقية للاقتصاد الأميركي؛ فالرجل يتبجح بـ"توزيع أرباح" في بلد يرزح تحت دين قومي تجاوز سقف الـ 40 تريليون دولار، ويسجل عجزاً سنوياً يقترب من تريليوني دولار. وبحسبة رياضية أولية تستند إلى وجود نحو 245 مليون بالغ في البلاد، فإن ترجمة هذا الوعد تعني حرق ما لا يقل عن 1.22 تريليون دولار دفعة واحدة، وهو رقم خيالي يُراد تبديده فقط لإنقاذ شعبية الرئيس المتراجعة. والمثير للسخرية أيضاً هو الشرط الإقصائي الذي فرضه ترامب بحصر هذه الأموال بالمقيمين "داخل الولايات المتحدة"، مستبعداً بجرة قلم نحو مليوني مواطن أميركي في الخارج يدفعون الضرائب ويحملون الجنسية ذاتها، لمجرد أن أصواتهم بعيدة جغرافياً عن دوائر الحسم المباشرة قبيل الانتخابات النصفية.
تخبط الحلفاء والبحث عن مصادر تمويل خيالية
بدلاً من أن يشكل الإعلان دفعة قوية للحزب الجمهوري، أوقع هذا الوعد الغريب أركان الإدارة والمشرعين في ارتباك بيّن، ما دفعهم للبحث عن تبريرات متناقضة لإنقاذ الموقف:
- مايك جونسون، رئيس مجلس النواب، سارع إلى أخذ مسافة واضحة ورفض تقديم أي ضمانات، مؤكداً ببرود أن المقترح لا يزال فكرة أولية تحتاج إلى دراسة وموافقة من الكونغرس، في محاولة دبلوماسية للتنصل من خطة يدرك المشرعون استحالة تطبيقها حسابياً وتشريعياً.
- جيه دي فانس، نائب الرئيس، حاول ترقيع الموقف بالادعاء أن التمويل سيتأتى جزئياً من عائدات الرسوم الجمركية، متناسياً أن تلك الإيرادات لا تمثل سوى قطرة في محيط التريليون ومئتي مليار دولار المطلوبة لتغطية الشيكات الموعودة.
- هوارد لوتنيك، وزير التجارة، تفوق على الجميع بتقديم حلول أقرب للخيال حين صرح بأن البرنامج لن يمس أموال دافعي الضرائب ولن يرفع العجز، مستدعياً عوائد ما يُعرف ببرنامج "بطاقة ترامب البلاتينية" لتوفير الموارد، وكأن الخزانة الفيدرالية باتت تدار بأساليب الحيل التسويقية لإنتاج أموال من الهواء.
الاصطدام بالدستور وقواعد الانضباط المالي
تعكس هذه المناورة رغبة ترامب في تجاوز أبسط القواعد الدستورية؛ فالرئيس لا يملك تفويضاً مطلقاً لفتح الخزائن وتوزيع الأعطيات بقرارات منفردة. وقد تصدى خبراء القانون الدستوري ولجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة لهذه الادعاءات بحزم؛ حيث أوضح مدير السياسات مارك غولدوين أن الرئيس لا يمتلك أي سلطة قانونية تسمح له بتوجيه وزارة الخزانة لإنفاق هذه المبالغ الطائلة دون تفويض تشريعي صريح من المشرعين. كما سخر غولدوين من تشبيه ترامب، مؤكداً أن الشركات توزع الأرباح عندما تحقق فوائض حقيقية، في حين أن الحكومة تسجل عجزاً هائلاً ودَيناً غير مسبوق، ما يجعل الادعاء بوجود نجاح مالي يستدعي توزيع الأموال مجرد تضليل محاسبي يناقض الواقع الاقتصادي تماماً.
رفض عارم: كرامة الناخب ليست للبيع
قوبل هذا الاستدراج المالي بموجة استنكار عارمة كشفت زيف المحاولة؛ إذ رأى نواب الحزبين أن هذا العرض يمثل استهانة مباشرة بوعي المواطن الأميركي:
- زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، هاجم الخطة بحدة معتبراً إياها محاولة مكشوفة لشراء أصوات الناخبين بالمال العام.
- زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، وصف المقترح بأنه طرح هزلي يفتقر إلى الجدية ولا يمت إلى برامج الدولة المسؤولة بصلة.
- النائب دان غولدمان ندد بالمبادرة واصفاً إياها بأنها خطوة غير قانونية وفاسدة، بينما رأى حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم أنها مناورة واضحة لاستمالة الشارع بوعود مادية زائفة.
- النائب الجمهوري توماس ماسي عبر عن رفض عميق للمبدأ، محذراً من المخاطر التضخمية العنيفة التي ستترتب على ضخ هذا الحجم من الأمولة في السوق، مؤكداً أن قناعات الناخبين لا يمكن مقايضتها بمبالغ نقدية تؤدي في النهاية لرفع الأسعار وتدمير مدخراتهم.
- النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين انتقدت التناقض الصارخ داخل الحزب، متسائلة كيف يهاجم الجمهوريون برامج الإنفاق الحكومي ليلاً ونهاراً، ثم يروجون لخطة إنفاق تريليونية فقط لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.
الهروب إلى الأمام ومحاولة شراء الشرعية
إن لجوء ترامب إلى هذا الإغراء المادي يعري عجز إدارته عن تقديم حلول حقيقية للأزمات الهيكلية؛ فبدلاً من صياغة سياسات إنتاجية تكبح التضخم وتدعم القوة الشرائية، يلجأ إلى الحيلة الأسهل عبر إغواء الناس بالأموال وتصوير المشهد كأنه هبة شخصية منه. أما دفاع البيت الأبيض بالقول إن "المشككين شككوا سابقاً في سياسات ترامب"، فهو مجرد هروب كلامي للتغطية على الرعب الحقيقي من الهزيمة في الانتخابات؛ إذ يراهن ترامب على استغفال الناخبين، متوهماً أن وعداً بخمسة آلاف دولار كفيل بإخفاء عثرات إدارته في الداخل والخارج. لكن هذه المسرحية المكشوفة تؤكد في النهاية أن ثقة الشعوب لا تُشترى بالشيكات المفرغة من الرصيد، وأن محاولة ترقيع الفشل السياسي بتوزيع أموال وهمية من دولة مثقلة بالديون ليست سوى رهان خاسر أمام وعي يرفض أن يُختزل في مزاد انتخابي رخيص.

