رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير إلهام شرشر
مقال رئيس التحرير

إلهام شرشر تكتب: أنا لا أستطيع التنفس

جريدة الزمان

على الرغم من حالة الترنُّح التي يعيش فيها العالم تحت تأثير جائحة "كورونا" لدرجة أنها أصبحت العامل الأساسي في تحديد مستقبل البشرية على هذه الأرض، والصوت المسموع في أرجاء الدنيا بلا منافس، بل وصارت المالك الوحيد لإعادة رسم خريطة العالم على أسسٍ ومعايير مختلفة شكلًا وموضوعًا عمّا خُطط في دول وأُعِدَّ من أُخرى.. إلا أن العالم -كما لاح في الأُفق- يبدو على مشارف الضربة القاضية التي ستُجهز عليه إلى الأبد.

لقد سقط مشعل "العولمة والكوكبة" الذي فُرض على الإنسانية كنموذجٍ للحياة، وانطفأ هذا النموذج الذي سيطر على الحياة لسنواتٍ طوال وما استطاعت قوى أن تقف أمامه بل انحنت واستسلمت وخضعت دونما مقاومةٍ تُذكر.

ها هي العولمة تلقى حتفها غير مأسوفٍ عليها...

ها هو الصوت البغيض المتعالي المتحكم في مصائر البلاد والعباد ينخفض بل يكاد يبُح...

ها هي "الولايات المتحدة الأمريكية" التي اختبأت تحت عباءة الحرية والعدالة وحقوق الإنسان تُظهر وجهها القبيح وتكشف عن معدنها الحقيقي التي حاولت أن تُطمسه لسنوات...

ها هي "الولايات المتحدة الأمريكية" مازالت تحتفظ بأقوى أجنداتها وأعتاها "العنصرية والكراهية للآخرين"، ليس لداعٍ سوي اللون الذي جعلته معيارها في الحكم على الخلق والتميز بين الناس مهما بلغت عبقريتهم أومدى حجم إنجازهم البشري.

ها هي أيها السادة لازالت تجيد التمييز على أساس اللون الذي لا ذنب للبشرية فيه ولاعيب، إذ جعلته عنوانًا يدل على صاحبه؛ لذلك فالويل كل الويل لصاحب البشرة السمراء.. فهولاء ليس لهم كرامة تُعتبر ولاحق أيًا كان!!!!

لقد عانواْ أكثر ما عانواْ في بلد الحريات، والتاريخ يحتفظ للولايات المتحدة الأمريكية بمواقفها المؤسفة مع السود؛ فهؤلاء ذاقواْ العذاب ألوانًا على أيدي الإدارات الأمريكية المختلفة.

والجميع يعلم الفرق بين عنصرية اليوم وعنصرية الأمس، وهو أن التوثيق والتغطية الإعلامية أصبحت أوسع انتشارًا لدرجة أن أحدهم يحدثنا عن العنصرية في أمريكا فيقول: "كانت دائمًا هناك".

ولعل أكبر دليل على هذا تلك العبارة التي ردّدها الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" هذه الأيام وهي: (عندما يبدأ النهب يبدأ إطلاق النار) هذه العبارة لها تاريخ يرجع لسنوات، وتحديدًا في عام ٦٧ فلقد قالها "قائد شرطة ميامي" لقمع السود وقتها.

ها هي الصورة الذهنية التي مازال البعض يحفظها للسود، والتي تؤكد مدى العنصرية التي تعيش فيها "الولايات المتحدة الأمريكية" مهما ادّعت الحرية؛ لذلك أسهمت هذه العبارة في تأجيج التظاهرات في أكثر من ثلاثين ولايةٍ بها خلال ساعات.

وبهذا نفهم سر مطالبة الكثيرين لـ"ترمب" بأن يكف عن الكلام الذي يزيد من الطين بِلّة، فها هو "عمدة أتلاتنا" يقول: (يجب على ترمب أن يخرس).. وها هو "عمدة مينيسونا" الذي عدّ كلام "ترمب" إهانةً بل إن البنتاجون والشرطة قد نصحتا "ترمب" بأن يلتزم بعدم التعليق أو الكلام، فقائد شرطته يقول: (من فضلك ابق فمك مغلقًا إذا لم تستطع أن تكون بنّاءً)، والبنتاجون يعرب عن قلقه إزاء تصريحاته.

لقد كشفت هذه التظاهرات العارمة بكل ما فيها من عنفٍ وتخريبٍ وتدميرٍ وسرقةٍ وتجاوزاتٍ متبادلة عن حقيقة شخصية "أمريكا" وأوضحت أن موقفها من السود لم يتغير بفعل الحضارة المزعومة والتحضُّر المُدَّعى، فلقد انقضّ شرطيٌّ أمريكيٌّ أبيض على رجلٍ أسود -على الرغم من كونه أعزل كما أنه لم يقاومة بل انصاع له- ولم يتركه إلا بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن ردّد قبلها: (أنا لا أستطيع التنفس)، ومع ذلك لم يرحمه أو يتيح له فرصة التقاط أنفاسه، وبهذا نفهم السر الثاني في تلك التظاهرات وهو شعارها "أنا لا أستطيع التنفس".

ومن الملاحظ أن هناك حالةً من الرعب تسود "الولايات المتحدة الأمريكية"، وقد ظهر هذا واضحًا في جميع تصريحات الرئيس "ترمب" وآخرها تلك التي دعا فيها الجيش إلى النزول بإعدادٍ كبيرةٍ للغاية على الرغم من عدم موافقة العديد من الشخصيات الأمريكية، وحظر التجوال الذي فرضة في أكثر من ٢٦ ولاية، وأيضًا أسلوب القمع والعنف الزائد والمفرط للغاية والذي كان مدعاةً للسخرية من أمريكا ورئيسها، كما يظهر أيضًا في الاتهامات التي وجهتها "أمريكا" لبعض الدول كـ "الصين" و"روسيا" وضلوعهما فيما تعيشه أمريكا الآن من حالةٍ فوضى لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية.

فها هو "ترمب" يتهم "الصين" بأنها وراء المظاهرات، لاسيما بعد تعليقها على تلك المظاهرات بأنها جميلة لأنها ترد على موقف أمريكا الداعم لاحتجاجات هونج كونج، كما أن مستشارة الرئيس الأمريكي السابق "أوباما" اتهمت هي الأخرى "روسيا".

وهنا يأتي سؤال عن أسباب حالة الخوف الأمريكي، هل تخشي أمريكا على مكانتها بين العالم؟؟؟؟

أم تخشي من حالة الانهيار والتوقعات التي جاءت هنا وهناك؟؟؟؟

هل تخشي من تفشي "كورونا" نتيجة هذه الأعداد المهولة من التظاهرات ورجال الجيش والشرطة فتصبح مهمة السيطرة على هذا الفيروس مستحيلة؟؟؟؟ أم أن أسباب الخوف ترجع لترمب نفسه الذي ينتظره مصيرٌ مجهول، وعلى المدى القريب مسألة الانتخابات والتي أصبحت فرص تفوقه فيها بعيدة إلى حدٍ كبير؟؟؟؟

أم أن هناك أسبابٌ أخرى؟؟؟؟؟

في الحقيقة إن عناصر المتظاهرين ليسواْ كما يظن البعض من السود فقط وإنما انضم إليهم عنصران الأول هو الهيسبانيك (فئات من أمريكا الجنوبية والمكسيك) والعنصر الثاني هو (أناركيه) وهؤلاء مجهولون لم يتم الوصول إلى حقيقتهم حتى الآن، ومع ذلك فقد تم تصنيف هذا العنصر من أكثر ١٠٠ شخصية مؤثرة في العالم.. فهؤلاء يهددون الأمن القومي الأمريكي حيث يخترقون خوادم الحكومة الأمريكية، ماذا في ذلك وهنا مربط الفرس كما يقولون... لماذا؟؟؟ لأن هذه المنظمة المؤثرة تعد من أشهر منظمات "الهاكرز" وظهرت بعد غياب ست سنوات وتهدد بنشر صفحات من الكتاب الأسود والذي يضم معلومات في منتهى الخطورة تهدد "ترمب" نفسه بل وتصل إلى ماهو أعلى منه، فضلًا عن أن لديها قدرةً فائقة على اختراق المواقع الحكومية شديدة السرية.

ولقد فعلت الكثير؛ لذلك لا يغمض جفنٌ لترمب هذه الأيام.. ومن هنا نستوعب بعض الشيء حالة الخوف والفزع التي تعيش فيها "أمريكا العنصرية" ورئيسها "ترمب" الذي كاد أن يصبح في مهب الريح.

آخر الأخبار

استطلاع الرأي

العدد 213 حالياً بالأسواق