رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير إلهام شرشر
خارجي

الصراع الإثيوبى يعصف بمستقبل سد النهضة

جريدة الزمان

انفجرت مواجهات عنيفة هذا الأسبوع فى إقليم "بنى شنقول قمز" المقام عليه سد النهضة الإثيوبى، بين جماعات مسلحة والقوات الحكومية، وأعلن مسئول إثيوبى، عن مصرع 200 شخص خلال عشرة أيام ونزوح الآلاف من قراهم هربا من الاشتباكات المسلحة.

ويتصف الإقليم عامة بالحساسية الشديدة، نظرا لأنه من أكثر أقاليم إثيوبيا وعورة جغرافيا وأكثرها فقراً، إضافة إلى انقسام سكانه بين المسلمين والمسيحيين، كما أنه متعدد إثنية عكس أغلب الأقاليم الإثيوبية التى يسكنها عادة أغلبية إثنية واحدة، غير أنه من الواضح أن العنف فى الإقليم يدور بين السكان الأصليين، وخاصة الجوموز، وبين هؤلاء الذين ينظر إليهم على أنهم وافدون من أقاليم الأمهرة والأورومو والشناشا.

وأشار كبير الوسطاء الإثيوبى إيندال هايلى بعد زيارته للمنطقة، إلى نزوح أكثر من 250 ألف شخص من منازلهم جراء العنف فى منطقة شوا الشمالية وأكثر من 75 ألفا فى منطقة أوروميا، لافتا إلى مصرع 300 شخص خلال شهر مارس، وتتركز أعمال العنف فى منطقتين بإقليم أمهرة، هما شوا الشمالية وأوروميا، حيث سكن المنطقة الأخيرة قبائل الأورومو، أكبر قوميات إثيوبيا.

اتهم رئيس وزراء إثيوبيا أبيى أحمد جهات خارجية وأخرى داخلية لم يسمها، بإحداث الفوضى وزعزعة الاستقرار فى البلاد، التى تشهد أزمات داخلية وأخرى إقليمية وأضاف أن هذه الجهات "تعمل على إغراق البلاد فى الفوضى"، لكنه أكد أنه رغم المؤامرات والضغوط التى تمارس على البلاد، فإن إثيوبيا ستقوم بعملية الملء الثانى لسد النهضة فى الموعد المقرر، وكذلك إجراء الانتخابات فى موعدها.

وتعيش إثيوبيا على وقع أزمة مستفحلة فى إقليم تيغراى شمالى البلاد، الذى انفجر فيه القتال شهر نوفمبر الماضى بين المتمردين والحكومة المركزية، ويرى المراقبون أن إصرار رئيس الوزراء على إبراز قضية سد النهضة، تأتى كمحاولة منه لدفع مواطنى بلاده إلى الالتفاف حوله فى مواجهة أزمات الداخل والخارج.

من جانبه أعلن الدكتور ياسر عباس، وزير الرى السودانى، استعداد الفرق القانونية فى السودان لمقاضاة الحكومة الإثيوبية بشأن سد النهضة، مؤكدا إجراء عدة زيارات لدول إفريقية من أجل شرح موقف السودان بشأن حل قضية سد النهضة، إلا أنه أكد تمسك بلاده بالحل التفاوضى الوطنى القائم على حق السودان فى حماية مصالحه الخاصة بالأمن المائى.

وأطلق المصريون فى الخارج حملة عالمية تحت عنوان "قدها وقدود" لتأييد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى جميع القرارات التى يتخذها حول سد إثيوبيا، وقال عادل حنفى نائب رئيس الاتحاد العام للمصريين بالخارج والمتحدث الرسمى للاتحاد فرع السعودية، إن الحملة يشارك فيها العديد من المصريين بالخارج على مستوى العالم بينهم علماء ورجال أعمال وسياسيين ورجال دين، بمشاركة أبناء الجيل الثانى والثالث والرابع والخامس لدعم القيادة السياسية المصرية.

أرجع اللواء سامح أبوهشيمة المحاضر بأكاديمية ناصر العسكرية، سبب النزاع إلى الصراع على السلطة نظرا لتهميش سكان الإقليم وعدم إشراكهم فى المناصب القيادية فى الدولة، لافتا إلى تكرار تلك المواجهات عدة مرات منذ تأسيس الدولة الحديثة، إلا أن رئيس الوزراء الحالى استغلها فى إقناع شعبه بأنه مهدد خارجيا.

أكد لـ"الزمان" أنه لا علاقة لمصر مطلقا بتلك الصراعات، وأنها لم تتواصل مع القبائل، بل إنها حريصة كل الحرص على حل الخلافات العالقة بين الدولتين عبر المفاوضات، ولا زال أمامها شهرين على بدء فيضان هذا العام خلال شهر يوليو القادم ولا زالت هناك فرصة للحل السلمى للمشكلة.

أوضح الخبير الإستراتيجى أن سكان إقليم الأمهرة ذوى أصول عربية، ويقيمون فى إقليم بنى سنقول، وهى النقطة التى استغلها أبيى أحمد للترويج بأن الإسلام هو سبب الصراعات العرقية، مؤكدا أن مصر لم تتخذ حتى الآن أى إجراء عدائى يحسب عليها دوليا.

حذر اللواء أبوهشيمة من خطورة سيناريو الإخوان المسلمين، بأن يتم التوصل إلى تسوية تنتهى بتوصيل مياه النيل لإسرائيل، وتحديدا إلى صحراء النقب، واستغلالهم الموقف لاتهام النظام القائم بالخيانة لافتا إلى أن الهدف من توقيع اتفاقية عنتيبى عام 2009، والتى وقعت عليها ستة دول من دول حوض النيل، مع استبعاد دولتى المصب مصر والسودان كان الضغط على مصر للوصول بها إلى ما هى عليه الآن.

أشار الخبير العسكرى إلى تحييد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وترك كل طرف يلعب حسب إمكاناته، حتى تقوم إثيوبيا بملء المرحلة الثانية من السد، ووضع مصر أمام الأمر الواقع، ثم السماح لإثيوبيا بخفض حصة مصر من مياه النيل كى تقوم بالضغط عليها لصالح إسرائيل.

لفت اللواء أبوهشيمة إلى لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين، واستقباله لوزير خارجيته سيرجى لافاروف الأسبوع الماضى، وتقاربه من الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، واستعداده لاستقباله وفدا تركيا مطلع الشهر القادم، كى يحرر نفسه من العباءة الأمريكية، التى تصب فى صالح إسرائيل.

وحول إمكانية ضرب سد النهضة أوضح الخبير العسكرى أن أى ضربة عسكرية يجب أن يوازيها دراسة الضربات المضادة المتوقعة من الجانب الآخر، واحتمالات تدخل الدول الإقليمية والدولية لصالح الآخرين، لذلك فمن الأفضل التخلص من السد بصورة تخريبية أو تدميرية.

فى سياق متصل قال الدكتور أشرف مؤنس مدير مركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة عين شمس، إن المعارضة الإثيوبية عادة ما تتجمع فى إقليم بنى شنقول، للمطالبة بحصة أكبر فى الحكومة الفيدرالية، لافتا إلى أن المنطقة كانت جزءا من السودان، وتم التنازل عنها لإثيوبيا بموجب اتفاقية عام 1902.

أضاف الخبير الإستراتيجى أن مظاهرات هذا الإقليم عام 2018 ضد رئيس وزراء إثيوبيا السابق هايلى مريام ديسالين، نتج عنها استقالته وصعود أبيى أحمد لكرسى الحكم، مشيرا إلى أنها قد تؤدى إلى سقوط ذلك النظام الفاشستى للمرة الثانية.

واستبعد الدكتور مؤنس احتمالات قيام الحرب لتطلبها تحويل الاقتصاد القومى لاقتصاد حرب، لافتا إلى تخاذل المجتمع الدولى فى الضغط على إثيوبيا، حيث فشلت دولتى جنوب أفريقيا والكونغو الدمقراطية خلال رئاستهما الاتحاد الأفريقى فى ممارسة إقناع إثيوبيا بحق مصر فى مياه النيل.

أشار مدير مركز الدراسات الإستراتيجية إلى رفض إثيوبيا المبادرة السودانية بالوساطة الرباعية التى تضم كلا من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة والاتحاد الأوربى إضافة إلى الاتحاد الأفريقى، لتلقيها دعما خارجيا يسمح لها بالاستمرار فى ملء بحيرة السد دون التوصل لاتفاق مع مصر والسودان، حتى يصبح النيل نهرا داخليا تتحكم فيه إثيوبيا وحدها للإضرار بمصالح الدولتين بالتفكير فى بيع المياه والكهرباء.

وأكد الدكتور عبدالفتاح مطاوع الرئيس الأسبق لهيئة مياه النيل أنه لا يوجد أدنى شك فى أن الموقف الإثيوبى من وساطات قضية سد النهضة ومفاوضاتها، قد وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن جرت العادة على استخدام مياه نهر النيل كمادة للابتزاز السياسى المحلى داخل الدولة الإثيوبية.

أضف أنه جرت محاولات لإيهام مواطنى إثيوبيا البسطاء المقهورين بأن هناك عدوا خارجيا يتربص بهم، ليمنعهم من استخدام موارد نهر النيل، لشحن الشعب لصالح حكومته القادمة على انتخابات تشريعية فى الخامس من يونيو القادم ٢٠٢١.

تعجب رئيس هيئة مياه النيل الأسبق من تصريح آبى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا يوم ٢٣ أبريل ٢٠٢١ بوجود مؤامرات خارجية وداخلية، لزعزعة استقرار إثيوبيا، وربط ذلك بأنهم عاقدون العزم على زيادة سعة التخزين أمام سد النهضة ليصبح 18 مليار متر مكعب خلال موسم الفيضان الذى ينتظر أن يبدأ شهر يوليو 2021.

أشار مطاوع إلى تصريحات أبيى أحمد بأن سد النهضة قد منع آثار فيضان النيل على السودان، على الرغم من أن السودان قد غرق فى فيضان العام الماضى 2020، لافتا إلى تعوده ممارسة الابتزازات السياسية، فى ظل انتشار وباء كورونا والتصفية العرقية التى تمارسها الدولة لبعض من قومياتها، والصراعات التى تقع من وقت لآخر بين القوميات الأخرى ضد بعضها، وحدث ولا حرج عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة فى البلاد، التى أوشكت أن تهلك الشعب جوعا انتظارا للتنمية المزعومة.

آخر الأخبار

استطلاع الرأي

العدد 267 حالياً بالأسواق