البيع بالحصص.. بوابة جديدة لدخول صغار المدخرين لسوق العقارات في مصر
• اقتراح تشريعى يسمح بالحصص العقارية كإحدى الأدوات المالية الجديدة فى السوق
• العقار بالحصص نجح فى كسر حاجز الملاءة المالية المرتفعة
• النموذج يتمثل فى قدرته على جذب سيولة كانت خارج الدورة الاستثمارية المنظمة ونوع من أنماط الطلب
فى سوق عقارية لطالما ارتبط بالدخول المرتفعة والملاءة المالية الكبيرة، يبرز نموذج الاستثمار العقارى بالحصص أو «العقار الجزئى» كأحد التحولات اللافتة فى المشهد الاستثمارى المصرى، مدفوعًا بارتفاع أسعار الوحدات، وتآكل القدرة الشرائية، وتغيّر سلوك المستثمر الفردى فى ظل ضغوط التضخم وتقلبات الأسواق.
هذا النموذج، الذى يتيح تملك حصة فى أصل عقارى بدلًا من وحدة كاملة، لا يمثل مجرد أداة بيع جديدة، بل يعكس إعادة تعريف أعمق لمفهوم الاستثمار العقارى نفسه، ويطرح تساؤلات حول حدوده، وجدواه، ودوره فى إعادة توزيع السيولة داخل السوق.
يتقاطع صعود بيع العقارات بنظام التجزئة مع التوجهات التى كشفت عنها «السردية الوطنية» للتنمية الاقتصادية فى مصر، والتى تركز على توسيع قاعدة المشاركة الاستثمارية، وتعظيم الاستفادة من المدخرات الصغيرة، ودمج فئات جديدة داخل الاقتصاد الرسمى.
الملكية الجزئية، أو ما يُعرف بالملكية المشتركة، هى نظام يتيح للأفراد أو الشركات امتلاك جزء من عقار معيّن بدلًا من امتلاكه بالكامل. يتم تقسيم العقار إلى حصص أو أسهم، ويُمنح كل مالك جزءًا من ملكية العقار مقابل استثمار مالى أقل بكثير من تكلفة شراء العقار بالكامل.
يسمح هذا النظام للمالكين بالمشاركة فى المنافع والعوائد الناتجة عن العقار، مثل عائدات الإيجار أو الأرباح من البيع.
وتبنت العديد من الشركات العقارية هذا النموذج لتعزيز مبيعاتها، من بينها شركة مدينة مصر للإسكان التى أعلنت فى عام 2023 عن نظام SAFE للاستثمار العقارى، وشركة امتلاك العقارية.
تستهدف الهيئة العامة للرقابة المالية، اقتراح تعديلات على قانون سوق رأس المال لاستحداث الحصص العقارية كإحدى الأدوات المالية الجديدة السوق المصرية، وذلك من خلال تجزئة العقار إلى أنصبة عقارية متساوية صغيرة القيمة يسهل تداولها، بحسب ما كشفت عنه النسخة الثانية للسردية الوطنية فان إطلاق نشاط تداول أنصبة الملكية العقارية فى البورصات المصرية من شأنه تحقيق العديد من الفوائد.
وأكدت، أن الفوائد تشمل أيضًا دعم توجه الدولة نحو تصدير العقار، إذ سيساعد تداول الحصص العقارية فى زيادة جاذبية العقار المصرى للمستثمرين الأجانب فإتاحة قيد وتداول الحصص العقارية يؤدى إلى زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية المباشرة بما من شأنه من تعزيز موارد الدولة من العملات الأجنبية مواكبة الأسواق المالية المخصصة لتداول الأصول العقارية فى الدول المجاورة ومنها المملكة العربية السعودية.
يقول أحمد زكى، المدير العام لشركة «ذا بورد كونسلتنج » للاستشارات، إن العقار بالحصص نجح فى كسر أحد أكثر الحواجز رسوخًا فى السوق العقارى المصرى، وهو حاجز الملاءة المالية المرتفعة، موضحًا أن هذا النموذج يستهدف شرائح تختلف جذريًا عن مشترى العقار التقليدى.
وبحسب زكى، فإن التملك الكامل يظل خيارًا مرتبطًا بالأهداف طويلة الأجل وبالقدرة على ضخ رؤوس أموال كبيرة، بينما يفتح الاستثمار الجزئى الباب أمام فئات تعتمد فى ادخارها على أدوات تقليدية، مثل «الجمعيات» المنزلية أو الفوائض المحدودة من الرواتب الشهرية، ما يتيح لها دخول السوق بأرقام استثمارية صغيرة نسبيًا.
ويضيف أن هذا التحول لا يعنى تراجع الطلب على التملك الكامل، بل يعكس تنوعًا فى أنماط الطلب، حيث يبحث المستثمر الصغير عن وسيلة للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة، دون تحمل التزامات مالية طويلة الأجل أو أعباء تمويلية مرتفعة.
أحد أبرز أبعاد هذا النموذج يتمثل فى قدرته على جذب سيولة كانت خارج الدورة الاستثمارية المنظمة. فلفترات طويلة، ظلت المدخرات الصغيرة تتجه نحو الادخار النقدى أو الذهب، فى ظل صعوبة الدخول إلى سوق العقارات، سواء بسبب ارتفاع الأسعار أو تعقيدات التمويل.
ويرى زكى أن الاستثمار العقارى بالحصص يقدم بديلًا وسطيًا بين الادخار والاستثمار المباشر، حيث يسمح بتوظيف هذه السيولة داخل أصول حقيقية دون الحاجة إلى شراء وحدة كاملة، وهو ما يمنح السوق مصدرًا جديدًا للطلب، وإن كان محدود الحجم مقارنة بالسوق الكلى.
من جانبه، يؤكد أيمن سامى، رئيس شركة «جيه إل إل» للاستشارات العقارية، أن المقارنة بين عوائد الاستثمار فى العقار الكامل ونموذج الحصص لا يمكن حسمها بشكل مطلق، مشددًا على أن الملاءة المالية للمستثمر تظل العامل الحاسم فى اختيار نمط الاستثمار الأنسب.
ويشير سامى إلى أن نسب الربحية ترتبط بعدة متغيرات، أبرزها طبيعة الأصل العقارى، ونوع النشاط سواء كان سكنيًا أو إداريًا أو تجاريًا، إلى جانب توقيت الدخول إلى السوق، وآليات الإدارة أو البيع التشاركى.
ففى بعض الحالات، قد يحقق الاستثمار الجزئى عائدًا تنافسيًا، خاصة فى الأصول المدرة للدخل، بينما قد يميل العائد لصالح التملك الكامل فى حالات أخرى، خصوصًا عند الاحتفاظ بالأصل لفترات طويلة والاستفادة من الارتفاعات السعرية التراكمية.
وفى هذا السياق، يُنظر إلى الاستثمار العقارى الجزئى باعتباره إحدى الأدوات التى تساهم فى تحقيق هذا الهدف، عبر خفض عتبة الدخول إلى السوق، وتحويل المدخرات غير المستغلة إلى استثمارات منتجة، ولو بحجم محدود.
رغم مزاياه، يواجه هذا النموذج عدة تحديات، فى مقدمتها الحاجة إلى أطر تنظيمية واضحة تحكم حقوق المستثمرين، وآليات التخارج، وتوزيع العوائد، وحوكمة الأصول المجزأة، بما يضمن حماية صغار المستثمرين ويحد من المخاطر.
كما يبرز تحدى الوعى الاستثمارى، إذ يتطلب هذا النمط فهمًا دقيقًا لطبيعة الاستثمار المشترك، والتمييز بين التملك الكامل والمشاركة فى أصل، حتى لا تتحول التوقعات غير الواقعية إلى عامل ضغط على السوق.
فى المحصلة، يبدو أن الاستثمار العقارى بالحصص فى مصر يتجه إلى نمو تدريجى ومحسوب، مدفوعًا بارتفاع الأسعار وتغير سلوك المستثمر الفردى، لكنه لن يصل إلى حد إحداث تحول جذرى فى بنية السوق.

