«شعر العامية بين الجذور الشعبية والتطور الجمالي»… مؤتمر يناقش قضاياه وتحولاته بمعرض الكتاب
استضافت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في نسخته الـ57، الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «شعر العامية: قضاياه وتطوره»، بحضور عدد من الشعراء والنقاد والأكاديميين المهتمين بدراسة هذا الفن الشعبي العريق.
استهل الشاعر د. مسعود شومان كلمته مرحبًا بالحضور، مؤكدًا أن العامية فن أصيل، مستشهدًا بما ذكره صفيّ الدين الحِلّي حول أهمية اللغة الشعبية في التعبير الفني. وأوضح أن العامية المصرية مرّت بتحولات كبيرة على مستوى المصطلحات، مشيرًا إلى وجود فروق واضحة بين الزجل والشعر الشعبي والشعر بالعامية، رغم الخلط الشائع بينها.
وأشار شومان إلى أن الشعر الشعبي يعكس التعبير الصادق عن الجماعة وينبع من إشارات ودلالات ابتكرتها المجتمعات، ما يجعله شعرًا جماعيًا يكتسب مصداقيته من الوجدان الجمعي، أما الزجل فيتسم بقربه من الشعر العمودي في بنيته، ويظهر عند خروج الشعر عن المألوف أو المتعارف عليه.
وأضاف أن أولى الإشكاليات التي تواجه شعر العامية تكمن في المصطلح ذاته، لا سيما مع تعدد المسميات باختلاف البيئات، مثل الشعر النبطي والسامر والبديع في سيناء وبعض دول الخليج، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى احترافات خادعة تهدف إلى الفوز في المسابقات، فضلًا عن اختلاف أنماط الكتابة بين العامية والهجين والعامية المصرية الخالصة.
تناول شومان أيضًا قضية الاستلهام والتناص في الشعر الشعبي، موضحًا الفروق الجوهرية بين الشعر الكتابي والشعر الشفاهي، مؤكدًا أن الاختلاف بين الشكلين لا يعني الانحياز لأحدهما على الآخر. وشدد على أن العامية مجرد وعاء، «وعاء من ورق لا يصنع الشعر»، مشيرًا إلى وجود نماذج شعرية تحتاج إلى دراسات نقدية معمقة.
من جانبه، أكد أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أن شعر العامية لم يكن يومًا في خصومة مع الفصحى، وأن الشعراء قديمًا تعاملوا مع الشكلين بوصفهما مسارين متكاملين لا متصارعين. وأضاف أن التحولات الجمالية في الشعر المصري كثيرًا ما كُتبت بروح الشعر الشعبي لما يحمله من طاقة تعبيرية قريبة من الناس، مؤكدًا أن شعر العامية حين يمتلك وعيًا فنيًا وجماليًا يظل قادرًا على البقاء والتأثير، باعتباره جزءًا حيًا من الذاكرة الثقافية المصرية.
وألقى د. سيد ضيف الله، شاعر عامية، كلمة رحّب فيها بالشعر أولًا، ثم بالشعراء والنقاد المشاركين، معربًا عن شكره الخاص للأستاذ الدكتور أحمد مجاهد على دعمه وإتاحته الأعمال الكاملة لفؤاد حداد، الأمر الذي ساعده على إعداد رسالة الدكتوراه حول شعر العامية.
كما قدّم شكرًا للدكتور خالد أبو الليل، الباحث في الدراسات الشعبية، لدعمه وموافقته على نشر أبحاث المؤتمر وشهاداته في كتاب، إلى جانب تقديره للأستاذ حسن سرور والشاعر السعيد المصري، والدكتورة رشا الفوال على جهودهم في دعم المشروع وجمع التوصيات من الشعراء والنقاد.
أكد ضيف الله أن الهدف الأساسي للمؤتمر هو رفع الوصاية عن شعر العامية، الذي يُعامل أحيانًا بعقلية ضيقة لا ترى الشعر إلا وفق شكل محدد، مشيرًا إلى أن هذا التجاهل طال شعراء كبارًا مثل بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي، حيث يُقابل الشاعر غالبًا بالقبول المتأخر أو محاولة احتواء موهبته.
وأضاف أن كلمة «شعر» وحدها يجب أن تكفي لفهم القيمة الفنية، دون تمييز بين مستوى لغوي وآخر، مؤكّدًا أن شعر العامية الحداثي لا يجد خانة جاهزة تستوعبه في الأدب الشعبي أو دراسات اللهجات، وأن الشعرية العربية لا تكتمل دون دراسة شعر العامية المصرية عبر أجياله المتعاقبة.
وأشار المؤتمر إلى أن شعر العامية ليس طارئًا على الثقافة المصرية، بل هو جزء من طمي النيل وحجارة الأهرام، ومن نسيج الأرض المصرية، وأنه يرتبط بالذاكرة الشعبية وحياة الناس اليومية، ويعكس الأحلام والآلام والجمال في آن واحد.
وقال الشاعر رجب الصاوي: «هكذا قال الشاعر الشعبي، بكلمات بسيطة وعميقة، تعبّر عن وجع الإنسان وحنينه، وعن الحب والفقد والدمع المكابر. ومن رحم هذا الشاعر وُلد شاعر العامية، الابن الشرعي له والمبدع الحقيقي لهذا الفن».
وأشار المؤتمر إلى أن قصيدة العامية ليست مجرد شكل شعري، بل روح مصرية تتجسد في اللغة والصورة والموسيقى، وتدعو إلى مقاومة اليأس والقبح بالضوء والنور، حيث يستطيع الشاعر المجيد في سطور قليلة استحضار شعب كامل بأحلامه وآلامه لأنه عاش بينهم وكتب لهم ولهم.
وأجمع المشاركون على أن المؤتمر خطوة متأخرة في الاتجاه الصحيح، ليس لمجاملة فئة من المبدعين، بل لتجسير الفجوة بين مكونات الهوية الثقافية والجمالية للمواطن المصري، وتعزيز دور شعر العامية كركيزة أساسية في تطور الشعر العربي الحديث.













