من الحقل إلى المصنع.. أسامة كمال يستعرض رحلة تعظيم قيمة النباتات الطبية والعطرية في مصر
بينما تتسابق دول العالم للاستفادة من الموارد الطبيعية وتحويلها إلى صناعات ذات قيمة مضافة، تمتلك مصر ثروة زراعية يراها كثيرون فرصة اقتصادية لم تستغل بعد بالشكل الأمثل. فمن حقول بني سويف، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج النباتات الطبية والعطرية، تبدأ رحلة محصول يحظى بطلب عالمي، لكنه يغادر البلاد في كثير من الأحيان بصورته الخام، قبل أن يعود إليها بعد تصنيعه في الخارج على هيئة أدوية ومستحضرات تجميل ومنتجات مرتفعة القيمة.
هذا الواقع كان محور تقرير عرضه الإعلامي أسامة كمال، عبر برنامجه «مساء DMC»، المذاع عبر فضائية «DMC»، والذي تتبع رحلة النباتات الطبية والعطرية من الحقول إلى المصانع ومعامل البحث العلمي، مستعرضًا آراء المزارعين والباحثين والمسئولين حول كيفية تحويل هذا القطاع من مصدر للمواد الخام إلى صناعة مصرية متكاملة تحمل شعار «صنع في مصر».
وأشار كمال، إلى أن ما يقرب من 60% من إنتاج العالم من النباتات العطرية يخرج من محافظة بني سويف، متسائلًا عن أسباب استمرار تصدير هذه الثروة في صورتها الخام، ثم استيرادها مرة أخرى بعد تصنيعها بقيمة مضافة أعلى بكثير.
بني سويف.. قلب الإنتاج
يوضح الدكتور علاء سعيد، مدير المنطقة الاقتصادية بمحافظة بني سويف، أن المحافظة تزرع نحو 18 ألف فدان من النباتات الطبية والعطرية، لافتًا إلى أن إنتاجها من النباتات العطرية يمثل 85% من إجمالي إنتاج مصر، بينما يمثل نحو 60% من الإنتاج العالمي، فيما تبلغ صادرات المحافظة من هذا القطاع نحو 300 مليون جنيه.
ويؤكد عاطف نجاح، تاجر النباتات الطبية، أن المحاصيل المخصصة للتصدير، تشمل: الشيح والبابونج والريحان والبقدونس، إلى جانب الزيوت العطرية، وهي منتجات تحظى بطلب مستمر في الأسواق الخارجية.
أما المزارع محمد رمضان، فيشرح جانبًا من دورة الإنتاج، موضحًا أن زراعة الريحان تبدأ في منتصف شهر سبتمبر، ويمكن حصاده نحو خمس مرات، بينما يتراوح سعر الطن بين 1700 و2000 جنيه.
لماذا يغادر الخام قبل أن يتحول إلى صناعة؟
يرى الدكتور مصطفى عبده، رئيس قسم بمعهد أبحاث النباتات الطبية والعطرية، أن تصدير الخام يظل الخيار الأسهل والأسرع لتحقيق عائد مادي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه وجود فجوة بين الإنتاج الزراعي والصناعة.
ويشير إلى أن تشتت الحيازات الزراعية وصغر مساحاتها واختلاف مواقعها يؤدي إلى تباين المادة الفعالة داخل المحصول الواحد، وهو ما يمثل تحديًا أمام عمليات التصنيع التي تعتمد على مواصفات وجودة متجانسة.
ومن جانبه، يؤكد بلال محمد حبش، نائب محافظ بني سويف، أن المحافظة تساهم بما يتراوح بين 40% و60% من إجمالي صادرات الدولة من النباتات الطبية والعطرية والحاصلات الزراعية، إلا أن المشكلة الأساسية تتمثل في تصدير معظم الإنتاج في صورته الخام.
أرقام تعكس حجم الفرصة
بحسب التقرير، بلغت صادرات النباتات الطبية والعطرية خلال العام الماضي 414 مليون دولار، منها 235 مليون دولار للنباتات الطازجة أو الجافة، بينما ارتفعت القيمة التصديرية للقطاع إلى نحو 850 مليون دولار بعد احتساب الزيوت والمنتجات المصنعة، وفقًا لاتحاد الصناعات.
ويرى المهندس طارق أبو بكر، وكيل المجلس التصديري للحاصلات الزراعية، أن تقليل الاستيراد وزيادة التصدير يمثلان أحد مفاتيح تحسين ميزان المدفوعات، موضحًا أن مصر تصدر الزيوت والنباتات العطرية بقيمة تقترب من 850 مليون دولار، معربًا عن أمله في أن يصل حجم الصادرات إلى 5 مليارات خلال السنوات المقبلة.
ويضيف أن تقييم المشروعات ينبغي أن يركز على العائد الاقتصادي الذي يحققه الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات، مؤكدًا أهمية أن يدرك الباحث احتياجات الأسواق الخارجية حتى يتمكن المزارع من إنتاج محصول مطابق للمواصفات المطلوبة.
التصنيع... الحلقة التي تضاعف القيمة
انطلاقًا من هذه الرؤية، كشف نائب محافظ بني سويف، عن إنشاء أول مصنع لتجفيف النباتات الطبية والعطرية وتصنيع الحاصلات الزراعية، بالشراكة بين هيئة تنمية الصعيد ومحافظة بني سويف، مشيرًا إلى أنه يجري حاليًا طرح المصنع أمام مستثمر من القطاع الخاص لتشغيله وتحقيق أفضل استفادة منه.
ويستعرض أبانوب عاطف، صاحب مصنع للاستثمار الزراعي والتصدير، إحدى مراحل التصنيع، موضحًا أن عملية استخلاص الزيوت تتم من خلال وضع النباتات داخل أوعية التقطير، ثم استخراج الزيت باستخدام البخار، وهي خطوة تضيف قيمة اقتصادية أعلى للمنتج مقارنة بتصديره خامًا.
البحث العلمي... من المعمل إلى خطوط الإنتاج
ولا تقتصر رحلة تعظيم القيمة على التصنيع، بل تمتد إلى البحث العلمي الذي يسعى لتطوير جودة الإنتاج وزيادة كفاءته.
ويؤكد الدكتور عادل جودة، عميد معهد النباتات الطبية والعطرية بجامعة بني سويف، أن المعهد يركز على الأبحاث التطبيقية التي تخدم المزارع بصورة مباشرة، من خلال دراسة المشكلات التي تواجه إنتاج النباتات الطبية والعطرية، والعمل على تقديم حلول قابلة للتطبيق داخل المزارع.
وفي السياق نفسه، تشير الدكتورة ماجدة السيد، رئيس قسم التكنولوجيا الحيوية بمعهد النباتات الطبية، إلى إمكانية استخدام التقنيات الحيوية لتعديل الجينات؛ بما يسهم في زيادة إنتاجية المركبات المسئولة عن الزيوت داخل النبات، فضلًا عن تحديد أفضل مراحل الإنتاج وأعلى قيمة للمادة الفعالة.
أما الدكتور مصطفى أحمد، رئيس قسم المستحضرات الطبية والعطرية، فيؤكد أن الجهود الحالية تستهدف تقليل الفجوة بين نتائج البحث العلمي والتطبيق الصناعي، مشيرًا إلى أن تصنيع المواد المضافة والمذيبات محليًا من شأنه خفض تكلفة المنتج النهائي ورفع جودته.
صناعة الدواء... فرصة لتعميق التصنيع المحلي
ويمتد أثر النباتات الطبية والعطرية إلى قطاع الصناعات الدوائية، حيث أوضح الدكتور ياسين رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن مصر تضم نحو 512 دواءً عشبيًا مسجلًا، تتنوع بين مستحضرات مستوردة وأخرى مصنعة محليًا، معتبرًا أن هذا العدد يعكس حضورًا جيدًا للمستحضرات الدوائية العشبية داخل السوق المصرية.
بدوره، أعرب الدكتور حسام رمضان، أستاذ النباتات الطبية والعطرية بمعهد البحوث الزراعية بوزارة الزراعة، عن تطلعه إلى أن تسهم مدينة المواد الدوائية بالخانكة في تطبيق نتائج الأبحاث العلمية واستخلاص المواد الفعالة التي تدخل في تصنيع الأدوية والصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل، بما يقلل من فاتورة استيراد المنتجات النهائية.
تعاقدات تربط الزراعة بالصناعة
ويرى الدكتور السعدي محمد، أستاذ نباتات الزينة بكلية الزراعة، أن مصر تمتلك فرصة لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة إذا نجحت في تعظيم قيمة النباتات الطبية والعطرية محليًا، بدلًا من تصديرها خامًا واستيرادها بعد تصنيعها.
ويؤكد أن أحد المسارات المهمة لتحقيق ذلك يتمثل في إقامة تعاقدات مباشرة بين مصانع الأدوية ومراكز الإنتاج، بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد وربط الإنتاج الزراعي بالاحتياجات الصناعية.

