النيل بين التراث الشعبي والوثائق التاريخية..بالأعلى للثقافة
تحت رعاية الدكتور عبدالعزيز قنصوة، القائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، عقدت لجنة الفنون الشعبية والتراث الثقافي غير المادي ندوة بعنوان "النيل عنده كتير"، أدارها مقرر اللجنة الأستاذ الدكتور مرسي الصباغ، الأستاذ المتفرغ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس.
شارك في الندوة الأستاذ الدكتور خطري عرابي، أستاذ الأدب الشعبي ورئيس تحرير مجلة الفنون الشعبية، الذي تناول حضور النيل في الإبداع المصري، مؤكدًا أن النهر لم يكن مجرد مصدر للمياه والحياة، وإنما شكّل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية والشعبية المصرية.
واستعرض عرابي نماذج من حضور النيل في الشعر والغناء، بدءًا من قصائد وأعمال غنائية شهيرة، ومنها "النيل" التي غناها محمد عبدالوهاب، وقصيدة أمل دنقل التي قال فيها: "من ذلك الهائم في البرية/ ينام تحت الشجر الملتف والقناطر الخيرية/ مولاي هذا النيل نيلنا القديم أين ترى يعمل أو يقيم؟".
إلى جانب حضور النيل في النشيد الوطني "بلادي بلادي": " وعلى كل العباد كم لنيلك من أيادي..." الذي كتب كلماته محمد يونس القاضي ولحنه سيد درويش، ثم أُدخلت عليه تعديلات لاحقة قام بها الموسيقار محمد عبدالوهاب.
كما توقف عند حضور النيل في الأغنية الشعبية، وأعمال عدد من كبار الشعراء والملحنين والمطربين، ومنهم أحمد شوقي وأحمد رامي وشادية ومحمد فوزي ومحمد قنديل. وأوضح أن الإبداع الشعبي ارتبط بالنيل في تفاصيل الحياة اليومية، من الزراعة والدراس والحصاد إلى الصيد والمهن المرتبطة بالماء، فضلًا عن الأمثال والحكايات الشعبية.
وأشار إلى أن النيل حضر كذلك في السيرة الشعبية، مستشهدًا بسيرة الملك سيف بن ذي يزن، التي تناولت الصراع حول تأمين نهر النيل، موضحًا أن النهر كان حاضرًا في المخيال الشعبي بوصفه قضية حياة وأمن، إلى جانب كونه مصدرًا للرزق والاستقرار.
ومن جانبه، قدم الأستاذ الدكتور عمرو منير، الأستاذ بمعهد الدراسات الأفروآسيوية بجامعة قناة السويس، ورقة بحثية بعنوان "وعينين الناس كلهم للنيل.. من وثائق الجنيزا إلى الحكاية الشعبية"، تناول خلالها صورة النيل في عدد من الوثائق التاريخية، ولا سيما وثائق جنيزة كنيس الفسطاط، التي تضم نحو 300 ألف وثيقة من رسائل وعقود وغيرها.
واستعرض منير رسالة تعود إلى نحو عام 1045، كتبها نهراي بن نسيم الفسطاط إلى أخيه يوشع، واصفًا فيها حالة مصر الاقتصادية بقوله: "والبلد يا مولاي واقف بالمرة، لا بيع ولا شرا، ولا يخرج أحد درهم، وعينين الناس كلهم للنيل"، بما يعكس الارتباط المباشر بين أحوال المصريين ومنسوب النهر.
كما تناول وثائق أخرى تكشف متابعة المصريين للنيل ومنسوبه، ومنها رسالة من رجل كفيف في سالونيك إلى ابنه في مصر للاطمئنان على الأسرة بعد انخفاض منسوب النيل، ووثيقة تشير إلى وفاء النيل. وأوضح أن المصريين لم يتعاملوا مع النهر باعتباره مصدرًا للمياه فحسب، بل طوروا معرفة دقيقة بمواسمه وتياراته ومنسوبه، انعكست على مهن الصيد والملاحة والزراعة.
وتطرق إلى حضور النيل في المصادر التاريخية والاحتفالات والطقوس المرتبطة به، وإلى محاولات فهم منابعه والتحكم في مجراه، مؤكدًا أن السيرة الشعبية أعادت بناء صورة النيل، وحولته من نهر يُقاس منسوبه إلى فضاء تتداخل فيه السلطة والمعرفة والمخيال الشعبي. وخلص إلى أن للنيل وجوهًا متعددة؛ فهو المتخيل، والمؤدي، والمهني، والمقاس، والمعيش، جامعًا بين المعيشة والمعرفة والمهنة والاحتفال والذاكرة.
كما قدم الأستاذ الدكتور محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون، ورقة بحثية بعنوان "نهر النيل في الغناء المصري"، مهديًا بحثه إلى روح الأستاذ الدكتور أحمد مرسي، تناول خلالها أثر النيل في الإبداع الغنائي المصري، مؤكدًا أن النهر كان مصدر إلهام للشعراء والملحنين والمطربين.
وأشار شبانة إلى العلاقة بين النيل وصناعة الآلات الموسيقية، موضحًا أن بعض الآلات ارتبطت بخاماته وبيئته، مثل الآلات المصنوعة من الطمي، والآلات المصنوعة من البوص والغاب، ومنها الأرغول والناي، فضلًا عن الآلات الإيقاعية كالطبلة والرق.
وتناول تقسيم الأغاني المرتبطة بالنيل إلى أعمال تتحدث عنه بصورة مباشرة، وأخرى يتسلل حضوره إليها بصورة غير مباشرة، مشيرًا إلى تراجع عدد الأغاني التي تتناول النيل خلال العقود الأخيرة مقارنة بما قدمته الأجيال السابقة. واستعرض نماذج من أعمال سيد درويش، وأم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وغيرها من الأعمال التي جعلت النيل جزءًا من صورتها عن مصر ووجدانها الشعبي.
مستعرضًا مقطتفًا من أغنية من فلكلور مدن القناة على آلة السمسمية.
"آه يا لاللّي يابو العيون السود يا خلي
يا عيني يا لاللّي يا روحي يا لا للّي
آه آه..
أصل الزبيب م العنب والطمي م النيل يا لاللّي
مشغول انا بمحبتك ولا يوم تغني لي يا لاللّي
ياللي أنا الورد وانت الماء بتسقيني يا لاللّي".













