رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير إلهام شرشر
مقالات الرأي

نيفين عباس تكتب: حياتك لا تشبه محتوى جوالك

جريدة الزمان


يستيقظ كل صباح يبدو على ملامحه أنه مفعم بالحيوية والنشاط، ملامحه تظهر أنه لا يعانى من هموم الدنيا أى شييء. إنه الصورة، فقط الصورة..

بعيداً عن أرض الواقع الإفتراضى، ونزولاً إلى أرض الواقع الذى نعيشه، نجد أن الحياة لا تتشابه مع تلك الصور التى نرسمها داخل حساباتنا وجوالتنا بإستطاعتنا التحكم بكل شيئ فى عالمنا الإفتراضى الذى صنعناه بأيدينا، لكن للقدر صناعة أخرى أشد تحكم وقوة.

لا جدوى من الإبتسامات فى الصور طالما لم نشعر بها داخل قلوبنا..

أتذكر فى السابق عندما كنت أستمع لحكايات جدتى رحمها الله، ما هو المعنى الحقيقى للسعادة والرضا والفرح، لم أنسى لمعة عيناها وهى تسرد تفاصيل إزدحام منزلها الصغير بالأقرباء والجيران والأحباب الخميس من كل إسبوع ليستمعوا إلى أنغام حفل كوكب الشرق السيدة أم كلثوم بالراديو ولا ضحكاتهم وجلوسهم معاً حتى صباح فجر اليوم التالى ولا تجمع نساء “الحي ” للجلوس معاً لتناول “قهوة العصارى” وتفقد أحوال بعضهن البعض، أو إجتماعهن لتحضير ملابس و “جهاز” العروس قبل زفافها بأيام وسط جو دافئ مليئ بزغاريد النساء ولا مكان للحقد أو الحسد أو الغيرة فيه لماذا لم نسأل أنفسنا يوم عن سر تعلقنا بالماضى؟ّ! إننا جميعاً نحنُ لكل ما هو قديم يمكن أن يذكرنا برائحة الماضى

لدرجة أننا عندما نجد مسلسلاً يحاكى الزمن الجميل نصبح شديدين الغيرة أمام كل تفاصيله، ننتقد وننتبه لكل صغيرة وكبيرة حتى لا تتشوه تلك الصورة الرائعة لذلك الزمن

لقد أصبحت قلوبنا تخفق بشدة أمام كل رجل أو امرأة مسنه، لأنهم يذكروننا بملامح وجه الجدة ويديها المجعدة ولحية الجد البيضاء.

فقدنا مع تقدمنا أنفسنا، بعدما فقدت متعة السعى وراء الأشياء، لقد أصبح كل شيئ بين أيدينا فى لحظات كنا ننتظرها كثيراً فى السابق حتى تصل مع الحمام الزاجل بدلاً من أن نجتمع إفترقنا وجمعتنا الآلة، رسالة واحدة لا تتعدى كتابتها ثوانى أصبحت هى المعنى الحقيقى للتواصل فى زمن الجوالات حتى فى الحب، ما عاد هناك بين أوراق الكتب وردة ذابلة، فالبديل للفراق بين المحبين الآن أصبح يتلخص فى زر “البلوك” الذى ينهى علاقات دامت لسنوات فى أقل من دقيقة، ترجمت مشاعرنا الحقيقية لمشاعر إلكترونية لا إحساس لها، وهناك الكثير من الحالات التى مرت على بشكل شخصى لأشخاص يعانون مشاكل فى حياتهم الزوجية بالرغم من أن الرجل يضحك ويستمتع بأوقاته خارج المنزل ويدخل المنزل رجلاً أخر مكتئب وحزين، وبين هذا وذاك هو بالأساس شخص غير سعيد، بل يرغب فى أن يثبت للجميع على الهاتف أنه سعيد، ينام الزوجين على فراش منقسم نصفين مع قلوبهم، ويستيقظون فى الصباح أشخاص سعداء على جوالاتهم.
يمكن أن نعكس صورة وردية سعيدة عن حياتنا داخل التطبيقات التى نستخدمها على الجوال، لكنها لم ولن تكون أبداً سبباً كافياً لأن نعيش تفاصيل اليوم والصور ونحن سعداء، فكم إبتسامة مزيفة فى الصورة والفيديوهات على المواقع بعيدة عن أرض الواقع، فالفرحة التى نشاهدها ماهى إلا لحظات تنتهى بمجرد الإنتهاء من إلتقاط الصورة أو المقطع!

حتى الخصوصيات والحرمات أنتهكت داخل المنازل بدعوى مشاركة «المتابعين» تفاصيل يومنا وحياتنا، وتحول الرضا بكل ما هو بسيط فى السابق لمقت وسخط على الحياة البائسة المعدمة التى لا نجد بها الرفاهية والترف الذى يعيشه الأخرين
على سبيل المثال عندما أشاهد حفلاً لكوكب الشرق أجد الكثير من الجماهير تنصت جيداً للحن وتفاصيل الكلمات وتشعر بها لدرجة أنها تلامس قلب المستمع تجعله يبكى من شدة الإنسجام

أما الأن أصبحت شاشة الجوال هى البديل لأعيننا وقلوبنا، إذا أردت أن تشعر بلذة الإحساس بالمكان والزمان فأترك الجوال وإستمع للحن بقلبك لا بهاتفك
فالهاتف يمكن أن ينقل لك الحفل على أى موقع من المواقع التى تستخدمها وأترك مقعدك لمن يتعلق بذلك الوقت ويعشق تلك التفاصيل

أصبحت أفتش كثيراً بين أصدقائى عن أحد يشبهنى، يهتم بالتفاصيل القديمة البسيطة كما أهتم، بعيداً عن المفاخرة والترف، وبعيداً عن المظاهر المزيفة التى يهتم أصحابها بأن نقول أنهم يتناولون أشهى وأفخم المأكولات أو يسافرون لأماكن بعيدة لا أعلم عنها شيئا.

قديماً كان طبق «الشوربة» أطعم من وجبة «الإستاكوزا» التى نتناولها بثمن باهظ فى فنادق السبع والخمس نجوم، كان لكل شي طعم لأنه بعيد عن التكلف والاصطناع، كم أشتهى أن أجلس لأتناول قهوتى بصحبة صديق وفىّ نستمع معاً لنغمات كوكب الشرق على «الجرامافون» بدلاً من تطبيقات الهاتف.

جمال الأشياء فى بساطتها، لكن الأن تحول الجمال لصورة مشوهة، ماسخة عن حياتنا، وتحولنا لأشخاص لا نشبه أنفسنا، فقط لمجرد أن نثبت للأخرين أننا فى حال أفضل منهم

لا أبالغ عندما أقول أننى لا أشعر بحلاوة الصور التى ألتقطها الآن بالجوال، ففى السابق كنت أشم رائحة السعادة والحنين والدفئ وأنا محاطة بعائلتى وأقربائى ونلتقط الصورة بالكاميرا اليدوية القديمة.
كنا جميعاً على تواصل، حتى كوب الماء تغير طعمه الأن عن السابق، بعد أن تحولنا لأداة بيد الآلة!! نسير على نهج ممل رتيب لا يحمل أى شغف أو سعادة بين تفاصيله

صور كاذبة، إبتسامات مزيفة، طعام لا نكهة له، سعادة لا أساس لها، أماكن لا نشعر بجمالها، أشخاص لا نعرف حقيقة قيمتهم، فقدنا الإحساس بكل شيئ وكان الثمن سعادتنا وحياتنا وأنفسنا

يسخر الأن الجيل الحالى من الجيل القديم الذى يقدر الأمور فى بساطتها، بالرغم من أن الجيل الحالى مظلوم ومحروم من كل متع الحياة الحقيقية حوله، فالطفل منذ الصغر يحمل «الآى بود» ليسافر به حول العالم وهو يجلس داخل أربع جدران غرفته!
حرم من متعة السفر واكتشاف الأشياء، ولهفة رؤيتها لأول مرة، فقد الإحساس بكل شيئ حوله لأنه أصبح يقلد أصدقائه حتى ينعم بتلك الحياة المترفة التى يراها على حساباتهم

وهناك منهم من دمرت نفسيته بسبب تلك الصور والحياة الإلكترونية الزائفة، حتى بالأسماء تحولنا لزمن «السرعة» ورحل «جيل الطيبين» وشتان بين هذا وذاك.

يكفى أن كلمة «الطيبين» تلامس قلبك كلما قرأتها، لأننا فقدنا الإحساس بالطيبة وسط الصراعات والنزاعات والأقنعة التى إختبئ ورائها كل واحد منا،إننى أرغب فى العودة للوراء، وترك كل ما هو حديث لأصحابه، فأنا أشعر بوحده مرعبة فى هذا الزمن، وأعلم جيداً أن هناك الكثيرين مثلي.

استطلاع الرأي

العدد 223 حالياً بالأسواق