رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرإلهام شرشر

وا إسلاماه

مرصد الأزهر: فوضى المصطلحات المشوهة تهدد السلام العالمي

سلط مرصد الأزهر في مقال له الضوء على فوضى المصطلحات المشوهه التي باتت تهدد السلام العالمي حيث أن المجتمعات الإنسانية المعاصرة ابتليت بأزمة خطيرة؛ تتمثل في تصدي العديد من غير الخبراء أو المتخصصين، وأصحاب المصالح، وأنصاف المتعلمين، وتجار الجهل ممن احترفوا صناعة «الأخبار الكاذبة» و«الحقائق المزيفة» و«التضليل»، و«البلاهة الفكرية»؛ للقيام بمهمة تحديد المصطلحات ووضع تعريفاتها وبيان حدودها.

ومن هذه المصطلحات مفهوم "الإسلاموفوبيا" الذي شاع استعماله وإطلاقه على مظاهر وممارسات معادية للإسلام في دول أغلبيتها غير مسلمة، في حين أن الكلمة ذاتها تبرر لهذه الممارسات وتسوغ لارتكاب أعمال عدائية بدعوى أن من يقبل على هذه الممارسات مريض بالخوف من الإسلام، وعند البحث عن الأصل الاصطلاحي للمفهوم وردت كلمة (الفوبيا- (Phobia في قاموس مريايم ويبستر (Merriam Webster dictionary) بمعنى الخوف المبالغ فيه، غير المنطقي من شيء محدد أو مجموعة من الأشياء أو المواقف. وقد يبدو من الصعوبة بمكان، تحديد مصدر هذا الخوف أو الاتصال به، ولكنه يظل موجودًا.

وتابع المرصد بأن مفهوم الإسلاموفوبيا ظهر في أواخر القرن الماضي عندما قامت مجموعة يسارية بريطانية تطلق على نفسها اسم رينميد ترست (Runnymede trust) باستخدام هذا المفهوم لتأجيج مشاعر الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، بشكل انعكس على معاناة المسلمين الممارسات التمييزية والإقصائية وشاع استعمال المصطلح بشكل ملفت للانتباه مـــع هجمــــات 11 مــــن سبتمبر 2001م، وتطور حتى تحول من مجرد مصطلح يتردد على الألسن إلى ظاهرة خطيرة تعددت مظاهرها وأشكالها وتعاظم أثرها مع ترويج الإعلام لها بمختلف تطبيقاته الحديثة؛ حيث يتم إلصاق أية حادثة أو عملية عنـف مـادية أو معنوية تحدث فــي الغــرب، وبــدون تحــر بالجالية المســلمة.
وتعرف ظاهرة الإسلاموفوبيا بأنها الخوف المبالغ فيه، والعداء تجاه الإسلام والمسلمين، وهو الخوف الذي يتشكل من خلال القوالب والأنماط السلبية، التي تتسبب في التحيز والتفرقة والتهميش وإقصاء المسلمين من الحياة الاجتماعية والسياسية والمدنية. ولكن هذا المفهوم على استعماله يحتاج إلى وقفة نقدية؛ حيث يوحي بتصوير المفهوم على أنه مرض أو حالة عرضية تنتاب الشخص، ويجعل من يرتكب جريمة كراهية ضد المسلمين من دفع لمحجبة أو تلطيخ لجدران مسجد أو حرق لمصحف أو غير ذلك شخصًا مريضًا لا يخضع للمسائلة والمحاسبة أمام القانون بحكم أنه مريض. لذلك فإن التحفظ على المصطلح، والتصدي إلى محاولات التدليس والطمس المتعمد للجريمة أمر تفرضه يقظة الضمير الإنساني وعدالة الحكم على ممارسات نالت من الإسلام والمسلمين، وتسببت في جراح غائرة وهددت ولا تزال تهدد السلم المجتمعي.
ولو وضعنا هذا المفهوم في حيز التفكير النقدي ودائرته نجد أن به العديد من التشوهات الفكرية منها: - كلمة فوبيا تعني رهابًا غير عقلاني، وهو مرض عقلي، وبالتالي مصطلح الإسلاموفوبيا مجرد مرض يصيب الأقلية من الناس. - إن تبسيط الظاهرة ووصم مرتكبيها بالجنون والمرض، قد يدفع الآخرين لتبني مواقف دفاعية أو منحازة بدافع التعاطف مع هؤلاء المصابين بهذه الظاهرة.
إن جعل كل من تختلف معه في الرأي مريضًا نفسيًّا أو عقليًّا، يعفي هؤلاء الأشخاص من محاولة فهم الآخرين، ونقاش آرائهم. والمشكلة الأخطر هي في إعفاء المتورطين في أعمال عنف أو عدائية ضد الإسلام والمسلمين، من المسؤولية الأخلاقية أو الاجتماعية أو القانونية، وفق مدلول المصطلح الشائع؛ لأنه ببساطة مرض نفسي يحتاج إلى علاج معرفي وسلوكي، ما يمكن اعتباره مخرجًا آمنًا وطوق نجاة للخروج من دائرة المسائلة لأشخاص هم في الأصل جناة وتقديمهم للمجتمع على أنهم ضحايا.

ويدعو المرصد إلى ضرورة العمل على تقريب وجهات النظر واعتماد لغة الحوار والنقاش الهادف وتعزيز مفهوم الإنسانية والتعايش السلمي المشترك وقبول الآخر، والحفاظ على الاستقرار والأمن والسلم العالمي. وهذا الهدف يستدعي الصياغة الجيدة للمصطلحات والمفاهيم، وتنقية لغة الحوار من النفايات الفكرية والعصبية والمصطلحات المغذية للتطرف والعنف والكراهية. ولا بد من عرض المصطلحات المستحدثة والمترجمة على مجامع اللغة العربية والمتخصصين في فنون اللغة، لاختيار المعنى اللغوي والدلالي المناسب للمصطلحات المترجمة والمستحدثة، وذلك قبل شيوع المصطلح واستخدامه بهدف الخروج بمصطلح يفي بالمعنى ويناسب الغرض، حيث أنتج ما يمكن أن نطلق عليه فوضى المصطلحات، لعالمنا المعاصر أمراضًا فكرية كثيرة وأصاب المجتمعات بتشوهات فكرية جسيمة تحولت – بكل أسف – إلى ممارسات على الأرض تزايد خطرها حتى صارت وقودًا لنيران العنف والإرهاب، ما يحتم على مجتمع المفكرين والمثقفين والمتخصصين القيام بمسئولياته نحو تحرير المصطلحات وبيان أوجه استعمالها على حقيقتها، لا وفق ما يرتضيه أصحاب الفكر المنحرف والمصالح المشبوهة. ولن يكون مصطلح الإسلاموفوبيا أول ولا آخر المصطلحات التي يساء استعمالها، وإنما هي حلقة في سلسلة من الانحرافات الفكرية التي لا سبيل لمكافحتها إلا بالتصحيح والمواجهة، وهو ما يطمح مرصد الأزهر لمكافحة التطرف إلى القيام به.