التحليل الإحصائي باستخدام SPSS ونقد الدراسات العلمية وإعداد الدراسات السابقة بصورة منهجية
لا تكمن صعوبة البحث العلمي في جمع المعلومات، بل في القدرة على التعامل معها علميًا.
فكثير من الباحثين ينهون كتابة الفصول النظرية بسهولة نسبية، ثم يواجهون المشكلة الحقيقية عند الوصول إلى مرحلة تحليل البيانات أو مناقشة نتائج الدراسات السابقة. عند هذه النقطة تحديدًا تتحدد جودة البحث وقيمته العلمية.
يمثل التحليل الإحصائي، ونقد الدراسات العلمية، وإعداد الدراسات السابقة ثلاث حلقات مترابطة؛ إذ لا يمكن تفسير النتائج دون معرفة الأدبيات السابقة، ولا يمكن تقييم دراسة منشورة دون فهم منهجها وتحليلها الإحصائي.
أولاً: التحليل الإحصائي SPSS
برنامج SPSS يعد من أكثر البرامج استخدامًا في الأبحاث الأكاديمية، ليس لأنه الأسهل فقط، بل لأنه يوفر أدوات تحليل مناسبة للعلوم الإنسانية والتربوية والإدارية والطبية.
لكن الخطأ الشائع أن الباحث يتعامل مع البرنامج كأداة إخراج جداول فقط، بينما الهدف الحقيقي هو اختبار الفرضيات.
1) قبل إدخال البيانات
أكبر الأخطاء تحدث قبل فتح البرنامج أصلًا.
يجب أولًا:
-
تحديد نوع المتغيرات (اسمية – ترتيبية – كمية)
-
التأكد من صلاحية أداة القياس
-
تحديد الاختبار الإحصائي المناسب
اختيار اختبار خاطئ يؤدي إلى نتائج غير صحيحة حتى لو كانت البيانات دقيقة.
2) اختيار الاختبار الإحصائي المناسب
كل اختبار له غرض محدد، ومن أشهرها:
-
T-Test → مقارنة متوسطين
-
ANOVA → مقارنة أكثر من مجموعتين
-
Pearson Correlation → قياس العلاقة بين متغيرين
-
Regression → التنبؤ والتأثير
الخطأ الشائع هو استخدام اختبار واحد لكل الدراسات دون النظر لطبيعة البيانات.
3) قراءة النتائج وليس استخراجها فقط
الجداول لا تمثل نتيجة البحث؛ تفسيرها هو النتيجة.
يجب أن يجيب التحليل عن:
-
هل الفرضية مقبولة أم مرفوضة؟
-
ما قوة العلاقة؟
-
هل العلاقة ذات دلالة إحصائية؟
القيمة (Sig.) أقل من 0.05 غالبًا تعني دلالة إحصائية، لكن الدلالة الإحصائية لا تعني بالضرورة أهمية علمية، وهنا يأتي دور المناقشة.
ثانياً: إعداد الدراسات السابقة بطريقة تحليلية
الدراسات السابقة ليست فصلًا تمهيديًا فقط، بل هي الأساس الذي يبنى عليه البحث.
الهدف منها ليس استعراض ما كتبه الآخرون، وإنما:
-
تحديد الفجوة البحثية
-
تبرير اختيار الموضوع
-
بناء الفرضيات
الطريقة الصحيحة لعرض الدراسات
بدلًا من عرض كل دراسة منفصلة، الأفضل تصنيفها إلى محاور مثل:
-
دراسات تناولت المتغير الأول
-
دراسات تناولت المتغير الثاني
-
دراسات تناولت العلاقة بينهما
هذا الأسلوب يجعل الفصل مترابطًا علميًا وليس مجرد ملخصات متتالية.
ماذا يجب أن يظهر في نهاية الفصل؟
ينبغي أن ينتهي فصل الدراسات السابقة بـ:
-
أوجه الاتفاق بين الدراسات
-
أوجه الاختلاف
-
ما الذي لم تتم دراسته بعد
هذه النقطة تحديدًا هي التي تتحول إلى مشكلة البحث.
ثالثاً: نقد دراسة علمية بطريقة أكاديمية
نقد الدراسة لا يعني رفضها أو التقليل منها، بل تحليلها وفق معايير علمية موضوعية.
أي دراسة علمية يمكن تقييمها من خلال أربعة عناصر:
1) المشكلة البحثية
-
هل هي واضحة؟
-
هل لها قيمة علمية؟
2) المنهج
-
هل المنهج مناسب للمشكلة؟
-
هل العينة ممثلة للمجتمع؟
3) التحليل الإحصائي
-
هل الاختبارات المستخدمة صحيحة؟
-
هل النتائج مفسرة بشكل منطقي؟
4) الاستنتاجات
-
هل الاستنتاجات مبنية على النتائج؟
-
أم أنها تعميم غير مبرر؟
كثير من الدراسات الجيدة تتضمن نتائج صحيحة ولكن استنتاجات مبالغًا فيها.
العلاقة بين المراحل الثلاث
إعداد الدراسات السابقة يساعد على صياغة الفرضيات.
التحليل الإحصائي يختبر هذه الفرضيات.
نقد الدراسات العلمية يسمح بمناقشة النتائج وربطها بالأدبيات.
أي خلل في إحدى هذه المراحل يؤدي إلى ضعف البحث بالكامل.
أخطاء شائعة يقع فيها الباحثون
-
استخدام اختبارات إحصائية دون فهمها
-
نسخ الدراسات السابقة دون تحليل
-
تفسير النتائج بصورة عامة
-
تعميم النتائج خارج حدود العينة
-
الخلط بين الدلالة الإحصائية والدلالة العلمية
خلاصة
قوة البحث العلمي لا تعتمد على عدد الصفحات أو كثرة المراجع، بل على سلامة منهجيته.
عندما يُعد الباحث الدراسات السابقة بصورة تحليلية، ويطبق التحليل الإحصائي بطريقة صحيحة، ويقيّم الأدبيات بنقد علمي موضوعي، يصبح البحث متماسكًا وقادرًا على تقديم إضافة معرفية حقيقية.
البحث الجيد ليس هو الذي يحتوي على بيانات كثيرة، بل الذي يقدم تفسيرًا علميًا دقيقًا لتلك البيانات.

