الزمان
وزير الري يعلن رفع درجة الاستعداد القصوى خلال عيد الأضحى لمتابعة المنظومة المائية وزير البترول يبحث سبل الارتقاء بمكانة مصر في المؤشرات العالمية للاستثمار التعديني وزيرة التضامن الاجتماعي تتابع أداء حجاج الجمعيات الأهلية مناسك الحج على صعيد عرفات صندوق تحيا مصر يطلق مبادرة أضاحي للعام الثالث على التوالي لدعم 2.5 مليون مواطن السيسي يتلقى اتصالًا من ملك البحرين للتهنئة بعيد الأضحى.. وتأكيد على قوة العلاقات الثنائية تصريحات مثيرة للجدل حول أسعار الكشف الطبي.. طبيب يطالب برفع “الفيزيتا” لـ500 جنيه رئيس بعثة حج الجمعيات يتفقد مخيمات الحجاج بمشعر عرفات.. ويوجه بتلبية جميع الاحتياجات وزير التعليم العالي يتابع إنشاء الجامعة الأهلية الفرنسية بمدينة الشروق.. ويؤكد: صرح تعليمي دولي جديد في مصر وزير الشباب والرياضة يوجه برفع حالة الاستعداد بكافة الهيئات الشبابية والرياضية استعدادًا لعيد الأضحى خبيرة بالمركز القومي للبحوث تحذر من الذبح العشوائي: تهديد خطير للصحة العامة والبيئة الأرصاد تكشف تفاصيل طقس اليوم.. أجواء ربيعية معتدلة واضطراب بالملاحة البحرية الصحة: فحص أكثر من 21.7 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرإلهام شرشر

فن

بين إبهار الصورة وفوضى الرسائل.. «أسد» يتحرر من العبودية ويوقظ أشباح الهوية والعرق!

فيلم أسد
فيلم أسد

يقول الشاعر الإنجليزي «ألكسندر بوب»: "كلما ارتفع سقف توقعاتك.. زادت احتمالية خيبة أملك"، وبعد «6» سنوات من التجهيز، وميزانيات ضخمة اقتربت من نصف مليار جنيه، واستعانة بمصممي معارك عالميين لهم ثقل في «هوليوود»، وتنفيذ مؤثرات بصرية وجرافيكس استغرقت قرابة عامين، بتوقيع مخرج مصري «محمد دياب»، حفر لنفسه مكاناً في دراما أمريكية شهيرة، ومشاركة نجوم من 4 دول عربية، يتصدرهم محمد رمضان، في فيلم وصفه صناعه بأنه الأفضل خلال السنوات الخمس الأخيرة، يظهر «أسد» محاولاً التحرر من قفص العبودية، فإذا به يضع مصر في «سجن» صورة نمطية سوداء علينا أن نبررها، وكأن هذا ما كان ينقصنا!

على مدار ثلاثة قرون، تم نقل «12» مليون أفريقي على متن سفن الرقيق الأطلسية، لدول أوروبا وأمريكا، وتزخر مكتبة الكونجرس بمئات الصور التي تجسد أبشع مشاهد العبودية بوضع الأفارقة السود في أقفاص حديدية وتكبيلهم بالسلاسل، في مرحلة وحشية بلغت ذروتها في نهايات القرن التاسع عشر، وبرغم أن مصر، وقتذاك، لم تكن بمنأى عن تجارة الرقيق، ومحاولات عدد من الولاة منعها رسمياً، إلا أنه لا توجد "صورة واحدة" لمشهد وضع الأفارقة في الأقفاص بهذا الشكل غير الآدمي.

ومن بين كل القصص التاريخية التي تزخر بها مصر المحروسة، قوامها الحرية والدفاع عن الوطن والكرامة، يتفتق ذهن «أسد» عن اختيار أزمة «العبودية»، لتصديرها للعالم، ربما أملاً في حصد جائزة في مهرجانات دولية، أو مغازلة جمهور الغرب، تاركين الجمهور المصري غارقاً في الشكوك.

يقول الناقد الفلسطيني «إدوارد سعيد»: "إن الغرب يصنع شرقاً يليق بخطاياه"، وهنا في "أسد" ربما يتفوق الشرق في الخطورة بإعادة تمثيل هذا الدور للحصول على «قبول الغرب»، وكأننا نقول للسينما الأمريكية: «ها هي صورتكم النمطية عنا، نحن نؤديها بإتقان»، فقد اختار «أسد» مصر مسرحا لجريمة لم يثبت ارتكابها بكل هذه الوحشية، ولأن السينما لا تختار "المكان" عبثاً، فهو «أول جملة في النص»، نقلوا إلينا معاناة تاريخية، مجردة من سياقها الجغرافي والسياسي، لتصبح مصر «جلاداً مسؤولاً أوحد» عن جرائم جماعية ارتكبت في حق البشرية، وتم الخلط بين "العبودية المملوكية"، و"عبودية المزارع الأمريكية" التي كانت تنتهك ملايين الأفارقة بعد جلبهم عبر المحيط الأطلسي.

بعيداً عن تريند «الجلابية»، الذي بدا مزيفاً، وبعيداً عن الأخطاء التاريخية، وارتباك و«تمييع» بعض الشخصيات داخل الفيلم، وهي أشياء نتركها للمؤرخين، يبدو من رابع المستحيلات أن تدرك أنك أمام فيلم مصري، وأنت تتابع بدايته التي تمهد لخطف الطفل الحبشي «أسد»، قبل ظهور لافتة «القاهرة 1840»، محددة الزمان والمكان، وتتضح معالم البطولة للعبد الذي يحب "ابنة سيده"، الناطقة باللهجة الشامية، ليتساءل الجمهور المصري وهو خارج من الفيلم: «إذا كان البطل حبشياً والبطلة لبنانية.. فماذا يفعلون في مصر؟ ولماذا؟».

وأنت تتابع فيلم «أسد»، يمر أمامك شريط أفلام شهيرة، تماست بعض مشاهدها مع هذا الـ «أسد»، سواء أكانت عربية مثل «عنترة بن شداد»، و«أمير الانتقام»، و «رد قلبي»، و «الأرض»، و «حرب كرموز»، أو أفلام أمريكية كـ «القلب الشجاع» الذي تأثر به صناع «أسد» في العديد من المشاهد، ومنها «زواج الحبيبين»، و«لقاء أعينهما» في السوق، وتجلّى التأثر في مشهد النهاية وهتاف الحرية الملحمي «أسد/ والاس»، ناهيك عن "تيمة الحب المستحيل" بين «ابنة الأثرياء» و«ابن الجنايني»، بتصرف!

لا يمكن إغفال روعة الأداء التمثيلي لمحمد رمضان، واللبنانية رزان جمال، وعلي قاسم، ولكن أداء ماجد الكدواني لم يكن طاغياً كما عهدناه، كذلك أحمد داش، أما على مستوى التقنية فالإبهار وجودة الصورة «الهوليوودية»، وخدع المؤثرات، والجرافيكس، وروعة الملابس، وفخامة الديكورات، أشبه بملحمة بصرية، ولكن علام استند كل هذا الإبداع؟ وما الرسالة المنوط بالفيلم توصيلها؟ ولمن؟

الجمهور وهو يشاهد «أسد»، لا يمكن أن يمنع نفسه من الاندهاش من «مجرى الأحداث»، ومدى قربها من طبيعة الشعب المصري، لن يقتنع أيضاً ببعض الأشياء غير المنطقية: كمشهد تهريب أسد، وخطف الأمير، ومبررات حقد «يكن/علي قاسم»، ذاك الخصم الرئيسي مميز الأداء، وبرغم تصريحات محمد رمضان، بأن «أسد» حقق حلم حياته، إلا أنه لم يأتِ بجديد كلية، فمازال البطل الشعبي الذي يهوى لعب دور «نمبر وان»: يمر بالظلم، ويواجه الأشرار، ثم ينتقل لمكانة الزعيم، في عمل فني يحمل اسم الشخصية التي يدور الجميع في فلكها، اللهم إلا أنه تخلى هذه المرة عن «فحولته» وتعرض للإهانة والسحل، و«الخصي» على الشاشة!

ونحن خارجون من قاعة السينما، وهي بالمناسبة في كل مكان، وليس كما زعم «رمضان» بتضييق الخناق عليه، تقافزت عشرات الأسئلة في الأذهان، بالذات في مشهد «أقفاص العبيد» الذي غرس «صورة صادمة» أشبه بذاكرة بصرية جديدة تصفع الملايين، وتزعم أنها «مرّت من هنا»، فالتركيز على أن الضحية أفريقية، أما هوية الجلاد فهي «مائعة»!

في كل مرة يتم إنتاج فيلم تاريخي، لا تكمن الأهمية في "جودة العمل"، بل "أي تاريخ يريد أن يضعه في الذاكرة الجمعية"، فالسينما ليست مجرد «فن المتعة البصرية»، بل أداة لتشكيل الإدراك والوعي، وحين تتناول قضايا شديدة الحساسية، مثل الهوية والعرق والاستعمار والعبودية، لا بد أن يفيض بركان الجدل، خاصة أن هناك من ربط بين اختيار مصر كـ"فضاء تاريخي للقهر العرقي"، ودعاوى سرديات «الأفروسنتريك» الزاعمة بأن أفارقة صنعوا الحضارة المصرية، رغم نفي صناع الفيلم!

المشكلة، من وجهة نظرنا، ليست في وجود فيلم عن العبودية، فهي جزء لا يمكن إنكاره من التاريخ الإنساني في الشرق والغرب، معاً، لكن الخطورة عندما تتحول السينما إلى "وسيط انتقائي" يعيد ترتيب التاريخ في ظل "صراع أيديولوجيات معاصرة"، فالجيل الجديد لا يقرأ المراجع التاريخية، بقدر ما يشاهد الدراما، وبمرور الوقت ربما ترسخ في الذاكرة صور تتوارى خلفها الحقيقة، شيئاً فشيئاً، حتى تتلاشى تماماً!

ما أشبه الليلة بالبارحة، لم تكن دوائر الجدل حول فيلم «الست» ببعيدة عن ذاك الـ«أسد»، فكلاهما إنتاجات (تاريخية) عربية مشتركة، وكلاهما صنع صورة "صادمة" للكثيرين، ليتساءل البعض عن «الحدود الفاصلة» بين الحرية الفنية، والتلاعب بالتاريخ، فالمبدع يرى أن "الخيال" ملك خاص له، حتى داخل الأعمال المصبوغة بصبغة تاريخية، وفق حبكة درامية لا تنقل الواقع بحذافيره، أما الجانب الآخر فإنه يرى أن ثمة رموزا وطنية لا تحتمل العبث، وملفات ملتهبة لا يمكن إطلاق الخيال بها، ومنها «الهوية» و«العرقية»، خاصة أننا نعيش عصر «صراع السرديات» للسيطرة على الوعي، فالجمهور لم يعد يتعامل مع الأعمال الفنية بمعزل عن المناخ الثقافي الذي نعيشه، بل يقرؤها، وربما يعيد تأويلها وفق شبكات الرسائل والإشارات والرموز التي أغرقت العالم في بحر السوشيال ميديا.

أما على المستوى الفني.. فهل استطاع «أسد» تحويل الإبهار البصري إلى تجربة إنسانية حقيقية؟ هل صدقها الجمهور وتعايش معها أم «انبهر» بفخامة الصورة التي جاءت أقوى من المشاعر؟ ومَن ينكر أن جزءاً من الجدل الدائر حول الفيلم، لا ينفصل عن ظاهرة «محمد رمضان» نفسها، ويبقى السؤال الأهم: هل توقفت الإنتاجات العربية الكبرى عن صنع صورتنا التي نعرفها، وأصبحت تقدم الصورة التي يريد العالم أن يرانا عليها؟

موضوعات متعلقة

click here click here click here nawy nawy nawy