إلهام شرشر تكتب: «مصر العظمى».. فجر التاريخِ بين المــــجد والخـــلـود
من أرضٍ لا تغيب حضارتُها عن الوجدان... من تُرابٍ إن لامسَتْه الرياحُ فاحَ عبقُ الزمان...
من وادٍ خطَّ التاريخُ على جبينه قسمَ الخلود، من نيلٍ يروي قصصَ الملوكِ والجنود
من وطنٍ صاغَ المجدَ حجَرًا، ونقشَ الخلودَ سطرًا سطرًا،
من وطنٍ إذا نطقَ، سكتت الأمم، وإذا خطا، تبعته القمم..
من أرضٍ لم يعرف الشرك طريقًا إلى قلوب أهلها، من تربةٍ نُسجت حباتها على نولِ الإيمان منذ فجر الأكوان... كانت مصرُ العظمى أولَ من وحَّد الخالق في الوجدان، فالتوحيدُ في مصر ليس غريبَ الوجه، بل هو طابعُ الهوية وسِمةُ الوجود، فقد عرف المصريون الصيامَ طقسًا للصفاء، والطهارةَ عبورًا إلى النقاء، وجعلوا من ضوء الشمس رمزًا للنور الإلهي لا معبودًا له، ومن الطقوس وسيلةً لليقين لا صنمًا للظنون.
إنها «مصر العظمى» التي لم تتبدّل عقيدتُها وإن تبدّل الزمان، ولم تستطع قوى الأرض أن تسلخها من روحها أو تُطفئ في صدورها وهجَ الإيمان، فبقيت كما خُلقت: أرضًا عصيّةً على الاختراق، ودينًا لا يُشترى، وهويةً لا تُنتزع... تعاقبت عليها الحضارات، وظلّ في أعماقها صوتٌ واحدٌ يهمس في التاريخ: "لا إله إلا الله"… فمصر لا تُساق إلى مذهبٍ أو اتجاه، لأنها أصل الإيمان، ومهد التوحيد، وقلعة الخلود.
فكان سر قوتها... توحيد لخالقها...
حفظته منذ الخليفة.. فحفظها لآخر الزمان منارةً عتيقة
من «مصر العظمى» التي ألهمتِ البشرية سرَّ البناء، وأودعت في كلِّ أثرٍ من آثارها قلبًا يخفقُ بالبقاء....
تنهض مصر اليوم من بين صفحات التاريخ كالعنقاء من رماد القرون، لتنادي في العالم بصوتٍ من فخرٍ لا يشيخ: أنا مصرُ… تاجُ الحضاراتِ، وسيدةُ البداياتِ...
يخرج المتحف المصري العملاق "المتحف المصري الكبير" في ثوبه الجديد الذي أبهر العالم افتتاحه الأسطوري بحضور القادة والزعماء، ليعلن ميلاد نهضةٍ مصريةٍ جديدٍة يأبى قطارُها أن يتوقف رغم المعوّقات والمؤامرات الشنعاء.... وهنا يتيقن العالم أن السير مع هذا القطار طريق التقدم والازدهار، وأن التخلُّف عنه سكونٌ مميت؛ لذا رأينا العالم كله - بداية هذا الأسبوع- في محافظة الجيزة لمشاهدة هذا الإنجاز الهندسي
الأبهر الذي يضم مائة ألف قطعة أثرية، ومسلة معلقة فريدة، وتاريخًا يمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة.
جاءوا ليشاهدوا بأنفسهم أقدم حضارةٍ على وجه الأرض ومر التاريخ.... جاءوا ليروا بأم أعينهم هذا المشروع الثقافي الأضخم بل والأعظم في هذا القرن...
لقد أدرك العالم بأسره تلك الرسالة الجوهرية المكنونة وراء هذا الافتتاح التاريخي بل وأدركوا دلالة التوقيت، فهذا ليس افتتاحًا لمبنى حجري تملؤه التماثيل والكنوز، بل نداءٌ من عبق الزمان.... نداءٌ من سبعة آلاف عام... نداءٌ يعلن أن الحضارة المصرية ما زالت تتكلم، وأن نورها ما زال يبدّد ظلمات الجهل كلما حاول أن يزيّفوا التاريخ أو يكسوا الوعي بثوب التعصّب، فـــ"المتحف المصري الكبير" لا يحوي جدارًا من حجارةٍ صامتة، بل يحوي قلبًا يخفق بتاريخ البشرية، ويذكر من تناسى بأن مصر تاريخها لسانًا يتلو على الأمم أناشيد الخلود.
نعم، هنا لا تُعرض التماثيل كجماداتٍ باردة، بل كشهودٍ على عبقرية الإنسان حين كان يصنع من الحجر فكرًا، ومن الصمت حضارةً تُحدّث الكونَ إلى الأبد.
هنا تتكلم مصرُ عن نفسها لا فخرًا أجوف، بل وعيًا أصيلًا، فتقول للعالم: من عرف أصلَه، صان مستقبلَه، ومن أدرك قيمتَه، لم يُهزم مهما تبدّلت الأزمنة.
حقًا، إنه حدثٌ عالمي سيقف أمامه التاريخ شاهدًا على استمرار مصر في صنع الإنجازات والأمجاد، ولا تضيره دعوات المحبطين المثبطين الجهلة، الذين يختزلون الحضارة المصرية في فرعون وجنوده، فمصر اليوم تفتح للعالم بابها الأوسع: "لمتحف المصري الكبير"، حيث تتقاطع ذاكرة الإنسان مع ضوء التاريخ، لتُثبت أنها لا تعرض حجارةً صامتة، بل حجارةً تبرهن على رحلة العقل الإنساني من الغموض إلى الاكتشاف، ومن الطين إلى النور.
في هذا الصرح العظيم، لا يحتفل المصريون بالماضي كمن يعيش على أطلاله، بل كمن يستدعي جذوره ليزرع بها مستقبلًا جديدًا، فليس المتحف مجرد معرضٍ للآثار، بل رسالة إنسانية تقول للعالم: لقد كنا أول من كتب الحروف على جدران الخلود، وأول من صاغ الفكرة في تمثال، وأننا أصل الفن والعمارة، أصل الجمال والحضارة، أصل العراقة والأصالة.
أما هؤلاء الذين حاولوا التشويش على فرحة المصريين بهذا الإنجاز الحضاري، وخلطوا بين الحفاظ على الذاكرة وعبادة الماضي، فاتهموا مصر ظلمًا بأنها تُعيد إحياء الوثن حين تُكرّم أثرًا أو تُرمّم معبدًا، فهؤلاء إمّا جهلة وهؤلاء لا يعذرون بجهلهم، لاسيما وقد بات طعنةً في ظهر المجتمع، بل عليهم أن يعرفوا حضارة بلدهم، ويفخرواْ بوطنهم... وإمّا خائن يعلم جيدًا مدى الفارق بين هذا وذاك، لكنه رضي أن يكون أداةً في وجه مصر وشعبها، وهذا آيسٌ آيسٌ لا محالة، فكم تجاوزت بلادنا من أزمات!! لكنه لم يقرأ حتى يعلم أن مصر — التي علمت الإنسانية معنى الروح والعقل والخلود — لا تُقدّس حجرًا، بل تُقدّر ما صنعه الإنسان، وتعود بنا إلى أهمية العلم... لا تُعيد تمجيد فرعون، بل تُعيد قراءة التاريخ بما فيه من عِبرٍ وعظمة.
على هؤلاء أن يدركوا أن الحضارة ليست زمنًا مضى، بل وعيٌ يُورَّث، ونورٌ لا يُطفأ... وأن تجاور المومياوات والتماثيل ـ في المتحف المصري الكبيرـ مع تقنيات العرض الحديثة، يُبدي وكأنّ الزمان يُصافح نفسه.
.عليهم أن يتعلموا أن جدران المتحف إنما تهمس بأسماء الذين أضاءوا العالم بالفكر، من المعماريين القدماء الذين رفعوا الهرم، إلى العلماء الذين صنعوا مجد مصر الحديث... كأن المتحف يقول: “من أراد أن يرى كيف وُلد العلم، فليأتِ إلى هنا.”
لقد كانت مصر دائمًا قلب العالم النابض؛ فمنها بدأ الوعي، وإليها يعود كل من يبحث عن المعنى... فمن الإسكندر الذي فُتن بنورها، إلى نابليون الذي حلم أن يمتلك سرها، ظلّت مصر هي العقدة التي إن فُتحت، تغيرت موازين التاريخ..في دولةٌ ليست دولة عابرة، بل فكرة دائمة تؤكد أن القوة ليست في السلاح، بل في المعرفة، وأن الخلود لا يُشترى، بل يُصنع بالعمل والأثر.
فيا كل شعوب الأرض: حين تزورون المتحف المصري الكبير، لا تكتفوا بالنظر إلى الآثار، بل أنصتوا إلى ما وراء هذا من دروسٍ وعبر، ومن رسائل ينبغي أن يعتبر بها أولوا الأبصار، وعلى رأسها أن مصر لا زالت تكتب التاريخ وترفع لحضارتها ألف شعارٍ وشعار.

