الحرب تشلّ السياحة في الشرق الأوسط.. خسائر بالمليارات وإلغاء آلاف الرحلات
سلّط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الضوء على عدد من التقارير الدولية التي تناولت تداعيات التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط على قطاع السياحة والسفر، وذلك في إطار متابعته المستمرة لما تنشره مراكز الفكر والمؤسسات الدولية ووكالات الأنباء العالمية حول تأثير الأحداث الإقليمية على القطاعات الاقتصادية والتنموية.
وأشار المركز إلى تقرير صادر عن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس البريطانية، والذي أوضح أن اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أعاد تشكيل حركة السفر في الشرق الأوسط بشكل فوري، بعدما أدى إغلاق المجال الجوي في عدة دول إلى إلغاء أكثر من خمسة آلاف رحلة خلال يومين فقط، ما تسبب في شلل شبه كامل لحركة الطيران الإقليمي والدولي.
وأوضح التقرير أن عمليات إعادة تشغيل الرحلات المنتظمة تواجه صعوبات كبيرة، حيث تُمنح الأولوية في الوقت الحالي لعمليات إجلاء المسافرين العالقين في عدد من الوجهات، سواء داخل المنطقة أو على خطوط العبور بين أوروبا وآسيا التي تعتمد بشكل رئيسي على مراكز الطيران في دول الخليج.
وأكد التقرير أن هذه الاضطرابات تثير قلق المسافرين وشركات الطيران على حد سواء، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار التأثيرات السلبية حتى بعد انتهاء المواجهات المباشرة، نتيجة تراجع الثقة في السفر وانخفاض الطلب على الرحلات الجوية.
وتشير التقديرات إلى أن مدة الحرب ستكون العامل الحاسم في تحديد حجم الخسائر؛ فالتوصل إلى تسوية سريعة خلال أسابيع قد يؤدي إلى تراجع أعداد الزوار الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة تصل إلى 11% خلال عام 2026، بما يعادل فقدان نحو 23 مليون سائح، مع خسائر في الإنفاق السياحي تتراوح بين 34 و56 مليار دولار. وفي حال استمرار الحرب لفترة أطول، قد تتضاعف هذه الخسائر.
كما تمتد تداعيات الأزمة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على النقل الجوي مثل الإمارات والسعودية، حيث يتوقع أن تشهد تراجعًا ملحوظًا في التدفقات السياحية نتيجة انخفاض حركة الربط الجوي وارتفاع تكاليف تشغيل الرحلات.
ويبدو التأثير أكثر حدة في دول مثل إسرائيل وإيران، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض أعداد الزوار إلى أقل من نصف المستويات المتوقعة قبل اندلاع الصراع، في وقت كانت فيه تلك الأسواق تستعد لتعافٍ تدريجي في قطاع السياحة.
وأوضح التقرير أن الضربات المتبادلة واتساع نطاق المخاطر الأمنية قد يطيل أمد التراجع في الطلب السياحي حتى بعد إعادة فتح بعض المسارات الجوية، إذ يعتمد التعافي بدرجة كبيرة على سرعة استعادة المسافرين شعورهم بالأمان والاستقرار.
كما أن خفض تشغيل شركات الطيران الكبرى في مراكز النقل الجوي مثل دبي والدوحة وأبوظبي يؤدي إلى اضطراب حركة السفر عالميًا، إلى جانب زيادة الرحلات المحولة إلى مسارات أطول عبر أوروبا وآسيا الوسطى، ما يرفع زمن الرحلات وتكاليف الوقود ويؤدي أحيانًا إلى إلغاء بعض الخطوط الجوية.
وتزداد الضغوط على شبكات الطيران العالمية في ظل تقلص الممرات الجوية المتاحة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي جعل الشرق الأوسط يشكل نقطة اختناق رئيسية في منظومة النقل الجوي الدولي.
كما تمتد التأثيرات خارج المنطقة لتشمل أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، حيث اضطرت بعض شركات الطيران إلى تعليق رحلاتها إلى وجهات في الشرق الأوسط بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع التكاليف التشغيلية.
ويزيد ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في مضيق هرمز من حدة الأزمة، إذ من المتوقع أن تتجاوز الأسعار 80 دولارًا للبرميل خلال الربع الثاني من عام 2026، ما يضيف أعباءً إضافية على شركات الطيران ويؤدي إلى ارتفاع أسعار التذاكر وتراجع الإقبال على السفر.
وفي هذا السياق، استعرض مركز المعلومات تقريرًا آخر صادرًا عن شركة BMI التابعة لوكالة فيتش، والذي توقع أن تشهد دول مجلس التعاون الخليجي انخفاضًا في أعداد السياح الوافدين بنسبة تتراوح بين 8% و15% خلال عام 2026، أي ما يعادل فقدان ما بين 7.1 و13.2 مليون زائر.
في المقابل، قد تواجه إيران تراجعًا حادًا في حركة السياحة يصل إلى ما بين 70% و90%، بينما قد تحقق سلطنة عُمان نموًا يتراوح بين 5% و15% نتيجة تحول جزء من الحركة السياحية الإقليمية إليها.
وتشير التقديرات إلى أن تعافي قطاع السياحة في إيران قد يستغرق عدة سنوات، في حين تتمتع دول الخليج بقدر أكبر من المرونة بفضل استمرار السفر الداخلي والسياحة الدينية، مثل الحج والعمرة، التي قد تشهد تراجعًا محدودًا مقارنة بانخفاض السفر الترفيهي الدولي.
وتؤكد هذه المؤشرات أن تداعيات الصراع الدائر تتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة، لتؤثر في خريطة السياحة العالمية وشبكات الطيران الدولية، وهو ما يجعل مسار التعافي مرهونًا بمدة الصراع وقدرة الدول وشركات الطيران على استعادة ثقة المسافرين خلال الفترة المقبلة.

