إلهام شرشر تكتب: نُباحُ الجهلِ وصَمتُ المجد صَوتُ الجاهلية وصدى الحضارة
كأنّ الزمان قد دار دورته، وعاد بنا مرةً أخرى إلى أزهى عصور الانحطاط، لاسيما وقد اختلط الجهل في واقعنا بالغرور، وزُيِّن الضلال بطلاء التحضُّر المصطنع، وصار التصفيق للصوت لا للفكر، وللصخب لا للحكمة، ولمن يعلو صراخه على من تعلو قامته، حتى بتنا في عصرٍ يُكرَّم فيه الجهل لمجرد جرأته على المجد، ويُهان فيه الكبار لأنهم صمتوا عن المهاترات، ولم يهبطوا إلى سوق البذاءة للرد على الصغار.
لقد عادت تصريحات المتطاولين بذاكرتنا إلى عصور الجاهلية المظلمة، التي عُهد عنها تسليط الخدم على الشرفاء، وتكريم الصغار بجرأتهم على الكبار، وتقديم الرؤوس المنحنية على الهامات الشامخة.
فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه اليوم بالأمس! فها هي الجاهلية قد أطلت علينا من شرفاتها بثوبٍ جديدٍ ومصطلحاتٍ منمّقة، لتُضحك ملوك اليوم كما كان الحاشيةُ المتملّقون يضحكون سادةَ الأمس، وتنكر النور دون أن تعترف بما أصاب عينيها من رمد، وقلبها من كمد.
إنها حقًا جاهلية بكل ما تحمله الكلمة من معاني، فقد رأينا نكرةً تتطاول، وقزمًا يتشامخ منفوخًا بالهواء يحاول المزايدة على مصر صاحبة الحضارة والعراقة، ظنًا منه أن رفع الصوت يمكنه أن يغطي ضحالة الوعي.... رأيناه يتبختر في ثوبٍ مستعارٍ من أوهام المجد، ويسخر من القمم لأن بصره لا يبلغها، ويحسب أن التاريخ يُمحى إذا ما أنكر وجوده بلسانه، وأن الحضارة تُقاسُ بحداثة الأبنية لا بعراقة البُناة.
نعم، لقد عادت الجاهلية بثوبٍ جديدٍ وأدواتٍ حديثة، فما نراه اليوم من نهجٍ مستنكر يذكرنا بالمنهج القبلي البغيض -منهج صناديد الكفر - الذين كانوا من شدة الخسة والندالة والانحطاط يسلطون الصبية والخدم على السادة والقمم.
غير أننا في النهاية لا ينتابنا مثقال ذرةٍ من صغارٍ بتلك الشعارات الفارغة وهذا النباح المقيت، فمصر كالطود الأشم، تمتثل قول القائل:
إذَا الكَلبُ لَم يُؤذِيكَ إلاَّ نُباحُهُ
فَـدَعهُ إلَى يَومِ القِيَـامَةِ يَنبَحُ
بل إننا نزداد يقينًا بأن الأبصار وإن تاهت اليوم بين الصخب والبريق، فسيبقى التاريخ شاهدًا أن مصر أصلُ النور، ومجدُ الحضارة، وسيدةُ البيان، وإن جار عليها أبناءُ الضوضاء.
حفظ الله مصر العظمى من كلّ ناعقٍ بالجهل، حاسدٍ على الفضل، وأدامها منارةً للحق، وحصنًا للوعي، وواحةً للعلم، وسدًّا منيعًا في وجه العابثين والجاهلين.

