رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير إلهام شرشر
تقارير

ننشر الملف السرى لـ”السيسى” فى كلية الحرب الأمريكية

جريدة الزمان

الملف تم إعداده عام 2006 وتضمن صورًا ومعلومات شديدة الخصوصية عن الجنرال المصرى

"السيسى" سجل اعتراضه أمام الجميع على الغزو الأمريكى للعراق وقال لهم: "ستدفعون الثمن غاليًا"

جنرال من الصقور قال: "هذا السيسى داهية.. وأخشى أن يصل هذا الرجل إلى كرسى الحكم فى مصر"

التحريات العسكرية للبنتاجون: يواظب على الصلوات فى المسجد.. هادئ الطباع.. شديد الحذر.. لا يتحدث كثيرًا.. كريم ويعرض المساعدة على زملائه.. ماكر!!

هنا بلدة كارسيل بالولايات المتحدة الأمريكية.. قليل من الحب.. قليل من الكلام.. كثير من العمل.. هنا يتعانق السحاب ويصارع سطوع الشمس.. قبل أن تتحدث مع أحد يجب أن تسأله عن جنسيته فقد تحولت هذه البلدة إلى قبلة لمختلف الجنسيات.

هنا جاء عبدالفتاح السيسى منذ سنوات حازما حقائبه قاصدا العلم ولا شىء غير العلم فى واحدة من أهم الأكاديميات العسكرية فى العالم وهى كلية الحرب الأمريكية.

لم يأت الرجل حاملا حزمة من الأوراق ليدون فيها كل ما يتعلمه ولكنه جاء محملا بأفكار قام بعرضها بمنتهى الجرأة والموضوعية على الجنرالات الأمريكان.

فقد تزامنت هذه البعثة مع فترة الغليان التى عاشتها الأمة العربية وسقوط العراق وظهور الوجه القبيح للغزو الأمريكى فقد حرص السيسى خلال دراسته فى كلية الحرب الأمريكية على تسجيل اعتراضه على غزو الأمريكان لبغداد فكان من أشد المعارضين للحرب على العراق، وأوهام واشنطن بأن بغداد ينتظرها ربيعاً من الديمقراطية فى أعقاب الغزو الأمريكى عام 2003.

وأعد الرجل ورقة عمل كانت بمثابة استشراف للمستقبل بأن القوات الأمريكية نجحت فى إسقاط صدام لكنها ستسقط فى مستنقعات الحرب الأهلية وأنه سيأتى اليوم الذى يخرج فيه الشارع الأمريكى ليسجل اعتراضه على بقاء قوات أمريكية على أرض العراق لأن ذلك سيكبد الولايات المتحدة خسائر فادحة.

جنرالات البنتاجون تعجبوا بعد سنوات طويلة عندما اكتشفوا أن الجنرال المصرى كان ثاقب النظر فى كل أطروحاته خاصة أنه حذر من حالة اختلال فى توازن القوى بالمنطقة وهو ما حدث بالفعل.

وعندما تحققت نبوءات السيسى قال أحد الجنرالات الأمريكان الذى ينتمى إلى الصقور "هذا السيسى داهية.. وأخشى أن يصل هذا الرجل إلى كرسى الحكم فى مصر "فضحك الجنرالات من كلامه واعتبروه مزحة ولم يتخيلوا أن هذه المقولة ربما تكون قريبة.

أرشيف كلية الحرب الأمريكية حافل بالكثير من الأسرار والمعلومات عن "السيسى" الإنسان و"السيسى" الجنرال فقد دون أحد القادة الأمريكان عنه قائلا "كان صديقاً مخلصاً لا يتردد فى إقراضك المال لتشترى خاتما لزوجتك.. وكثير من أسرار عبدالفتاح السيسى، الذى كشف أرشيف كلية الحرب ببلدة كارسيل الأمريكية تفاصيل عن حياته لا يعرفها كثير من المقربين منه، صورة الجنرال فى كتاب الكلية السنوى لعام 2006 بعيدة عن النياشين، وتظهر فى الكتاب السنوى لكلية الحرب الأمريكية صورا للسيسى مبتسماً، فى حفل ببلدة صغيرة فى بنسلفانيا وهو يبدو مسترخياً ومرتديا قميص بولو أصفر اللون. وهناك صورة أخرى للسيسى أثناء زيارته لأحد ميادين الحرب الأهلية الأمريكية، وصورة أخرى لأسرته التقطت فى حفل حضروه بمناسبة عيد القديسين، وتظهر فى الصورة زوجته وابنته إلى جانب امرأة ترتدى ملابس كليوباترا، وتوثق الصور فى هذا الكتاب الذى لا يعود إلى تاريخ بعيد، تذكرة لعام أكاديمى قضاه السيسى، خلال بعثة زمالة عسكرية فى هذا المكان الهادئ فى الولايات المتحدة.

الانطباع الأول الذى تركه الجنرال المصرى أنه يمتلك خيوطا معادلة صعبة ما بين الإمام والصديق فى بلدة كارسيل، حيث ترك "السيسى" انطباعا فى المسجد المحلى وفى الكلية نفسها بأنه طالب جاد تعكس كتاباته مدى إدراكه أن تطبيق الديمقراطية فى منطقة الشرق الأوسط أمر محفوف بالصعوبات. واشتهر "السيسى" هناك بأنه رجل متدين كان يؤم المصلين فى كثير من الأحيان، لدرجة أن أحد المصلين فى مسجد كارسيل قال مؤخرا على إحدى الفضائيات الأمريكية "كان يصلى معنا، هو الآن رجل مهم".

بينما قال الضابط الأمريكى المتقاعد فرانك فيليبس، الذى كان صديقا للسيسى هناك: "إن الجنرال المصرى كان يؤم الصلاة للطلبة المسلمين خلال الدورة الدراسية"، وأضاف: "كان متدينا لكنه لم يكن متعصباً"، وقال إنه "شديد الوطنية".

ويحكى فيليبس أن "السيسى" ذهب معه لشراء خاتم زواج فى كولومبوس فى جورجيا، وعندما اتفق فيليبس على أن يعود لاحقاً لتسلم الخاتم، وهو أمر غير معهود فى مصر، عرض "السيسى" أن يساعده مالياً كى يعود بالخاتم فى نفس اليوم، ورفض فيليبس العرض بلطف لكنه قدر موقف "السيسى" بشدة، وقال "إنه رجل رصين وشديد الكرم والنبل ويعرض المساعدة على زملائه وغير متعصب."

وصف آخر مهم للسيسى بأنه رجل خارج الوصاية الأمريكية بحسب ما أكده قائد كلية الحرب الجنرال أنتونى كوكولو، فإن وزير الدفاع الأمريكى اعترف أكثر من مرة بأن قدرات الولايات المتحدة على التأثير فى مجريات الأمور فى مصر بعد 30 يونيو أصبحت محدودة، متعللاً بقوله: "كل الدول محدودة النفوذ فى الشئون الداخلية للدول الأخرى".

القريبون من السيسى فى هذه الحقبة قالوا إنه كان أكثر ميلاً للحذر، لم يكن السبب أنه لا يمتلك وجهة نظر، لكن لأنه كان يعرف أن أى شىء يمكن أن تقوله يمكن ترديده.

ووصف مستشار الكلية الحربية، ستيف جيراس، السيسى بـ"جاد وهادئ" حتى فى المناسبات التى تجرى فى الخارج، ومن بينها تجمع حضره السيسى فى بيت جيراس نفسه لمشاهدة مباراة رياضية. وتحدث من عرفوا السيسى، خلال بعثته إلى الولايات المتحدة عن موقفه المعارض للحرب على العراق، وتشككه الواضح فى الفرضيات الأمريكية المسبقة عن ازدهار الديمقراطية فى بغداد ما بعد الحرب.

وفى قاعة الشرف العسكرية كتب اسم السيسى مع زملائه الآخرين من فصل 2006 على لوحة مطلية باللون البرونزى تغطى جدار روت هول- وهو المبنى الرئيسى فى كلية الحرب، لكن التكريم الأعلى فى الكلية لا يزال فى انتظاره، ففى الداخل توجد "صالة الشرف" وفيها صور للمبعوثين- مثل السيسى- الذين قادوا جيوش بلادهم، والجنرال تيبور بنكو الذى أصبح رئيساً لأركان القوات المسلحة المجرية، هو أحدث المنضمين إلى قاعة الشرف وقد وضعت صورة أكبر حجما له فى صدر عشرات من العسكريين الآخرين، من ألمانيا وإيطاليا ودول أخرى. وعلى الرغم من أن القرار النهائى بشأن ضم صورة السيسى إلى قاعة الشرف، يرجع إلى السفارة الأمريكية فى القاهرة وكبار مسئولى الجيش، قال كوكولو: "إن إجراءات ضمه ستبدأ فى المضى قدما"، وقال رئيس الكلية "إنه يستوفى المعايير وسوف أمضى قدما فى هذا الأمر". وما يجرى الآن لا يؤثر فى رأيى فى هذا الشأن".

وكل هذه المعلومات والحقائق تؤكد أن الجنرالات فى الولايات المتحدة يدركون جيدا حجم الرجل ولديهم منذ وقت مبكر ورؤية ثاقبة للوضع فى الشرق الأوسط بعيدا عن السياسات المتخبطة للبيت الأبيض.

جنرالات البنتاجون يدركون جيدا أنهم أمام جنرال مهم اعتزل الحياة العسكرية وداهية سياسية لأنهم داخل كلية الحرب الأمريكية أدركوا منذ عام 2006 أن السيسى يمتلك رؤية سياسية وأكبر دليل على ذلك أنه فاجأ الجميع بمشروعه البحثى الاستراتيجى الذى أعده فى كلية الحرب الأمريكية، لأن موضوع هذا البحث لم يتطرق لأى فنون قتالية أو عسكرية كما يتوقع البعض بل كانت هذه الدراسة بعنوان "الديمقراطيات الناشئة فى الشرق الأوسط" وسوف نسرد فى السطور التالية نص البحث الاستراتيجى الذى كتبه السيسى بخط يده تحت إشراف الكولونيل ستيفين جيه جيراس فى عام 2006 لنكشف أهم البنود والمحاور التى تطرق لها البحث.

مشروع بحثى استراتيجى من كلية الحرب الأمريكية..

دراسة أعدها السيسى خلال دراسة له فى واشنطن

مستشار المشروع

الكولونيل ستيفين جيه جيراس

يعد الشرق الأوسط من المناطق الحيوية المهمة على مستوى العالم، وقد كانت مهدًا لديانات كبرى، بما فيها الإسلام والمسيحية واليهودية، ويتجلى تأثير الطبيعة الدينية للبيئة فى ثقافة شعوب الشرق الأوسط، وتعد هذه الطبيعة واحدة من أهم العوامل المؤثرة فى الحياة السياسية بالمنطقة. ونظرًا لطبيعة الثقافة الشرق أوسطية، فإنه يتعين الأخذ فى الاعتبار الطبيعة المتدينة لشعوب المنطقة عند إجراء مفاوضات دبلوماسية ووضع سياسات. من المنظور الاقتصادى، حيث ينعم الشرق الأوسط بمخزونات ضخمة من النفط والغاز الطبيعى توفر الكثير من احتياجات العالم من الطاقة، ولذلك، تبقى القوى العالمية الكبرى أعينها باهتمام على المنطقة وتحاول التأثير والهيمنة عليها حيث تتمكن من الحفاظ على متطلبات الطاقة اللازمة لضمان بقائها الاقتصادى.

كان من شأن هذا الوضع خلق ضغوط مستمرة على الشرق الأوسط لإرضاء أجندات دول متعددة قد لا تتوافق مع احتياجات أو رغبات شعوب المنطقة. إضافة لذلك، من المنظورين الجغرافى والعالمى، يتميز الشرق الأوسط بكونه منطقة استراتيجية لوجود قناة السويس ومضيقى هرمز وباب المندب- وجميعها طرق شحن تجارية بالغة الأهمية وحيوية بالنسبة لأى اعتبارات عسكرية.

وتخلق الطبيعة الاستراتيجية للمنطقة بجانب الطبيعة المتدينة لشعوبها، بيئة تعوق بناء ديمقراطية بمختلف أرجاء المنطقة فى المستقبل القريب.

ويزيد الصراع العربى- الإسرائيلى من تعقيد تطور الديمقراطية، ولا يقتصر هذا الصراع على الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، وإنما هو صراع يؤثر فى جميع العرب بمنطقة الشرق الأوسط. ويؤدى هذا الأمر بدوره لإبطاء ظهور الديمقراطية فى الشرق الأوسط وربما يبرر ظهور نمط من الديمقراطية يعكس بصدق مصالح الشرق الأوسط، قد يحمل تشابهًا ضئيلا بالديمقراطية الغربية.

رغم أن الشرق الأوسط بدأ بالفعل الانتقال نحو إصلاحات ديمقراطية فى أسلوب الحكم، ما تزال هناك بقايا من الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية. ولدى إضافة ذلك للتوترات القائمة بالفعل داخل الشرق الأوسط جراء الصراعات المندلعة بالعراق وأفغانستان والمحيطة بإسرائيل، نجد أن الظروف تزداد تعقيدًا أمام تطور الديمقراطية. وينبغى تسوية الصراعات والتوترات القائمة أولاً كى تحظى الديمقراطية بالقبول الكامل من شعوب المنطقة.

ظاهريًا، يدعى الكثير من الحكام المستبدين تأييدهم لقيم الديمقراطية وصور الحكم المرتبطة بها، إلا أنهم يخشون التنازل عن السيطرة على البلاد إلى جموع الناخبين داخل أنظمتهم. يكمن وراء هذا الموقف بعض الأسباب الوجيهة، أولها أن الكثير من الدول غير منظمة على نحو يدعم نمط الحكم الديمقراطى. والأهم من ذلك، هناك مخاوف أمنية داخلية وخارجية أمام دول المنطقة. والملاحظ أن الكثير من قوات الشرطة والقوات المسلحة بدول المنطقة موالية للحزب الحاكم، وحال ظهور ديمقراطية بجماهير مختلفة من الناخبين، ليس هناك ما يضمن تحالف الشرطة والقوات المسلحة مع الأحزاب الحاكمة الناشئة.

من ناحيتها، يتعين على القوات الأمنية بدول المنطقة تنمية ثقافة تقوم على الالتزام بالدولة وليس الحزب الحاكم. علاوة على ذلك، ينبغى إعداد شعوب المنطقة للاضطلاع بدور تشاركى فى نمط حكم ديمقراطى. ويتطلب ذلك تثقيف الشعوب وتنمية عمليات ديمقراطية تمكن الديمقراطية من التحرك فى الاتجاه الصحيح.

من ناحيتها، شكلت أمريكا قوة دافعة داخل الشرق الأوسط فيما يخص دعم المصالح الوطنية الأمريكية بالمنطقة. وفى خضم جهودها لتحقيق ذلك، ساندت أمريكا أنظمة غير ديمقراطية وبعض الأنظمة التى لا تحظى بالاحترام داخل الشرق الأوسط، ومن بين الأمثلة على ذلك السعودية ونظام صدام خلال فترة مبكرة والمغرب والجزائر.. إلخ. وعليه، يشكك الكثيرون فى الشرق الأوسط فى دوافع الولايات المتحدة ورغبتها فى إقرار الديمقراطية بالشرق الأوسط. والتساؤل الآن هل الانتقال إلى الديمقراطية يخدم مصالح الولايات المتحدة على النحو الأمثل، أم أنه يخدم مصالح الدول الشرق الأوسطية؟ إن تطور الديمقراطية داخل الشرق الأوسط لن يتحقق بسهولة إذا ما جرى النظر إلى انطلاق الديمقراطية بالشرق الأوسط كخطوة اتخذتها الولايات المتحدة لتعزيز مصالحها الخاصة. كما أن هناك مخاوف من أن "الحرب العالمية على الإرهاب" ليست سوى قناع لإقرار ديمقراطية على النسق الغربى داخل الشرق الأوسط. ولضمان نجاح الديمقراطية فى الشرق الأوسط، يجب أن تعكس المصالح شرق الأوسطية، وليس المصالح الأمريكية فحسب. إضافة لذلك، يجب أن تبدو الديمقراطية كعنصر مفيد لشعوب المنطقة- بحيث تبدى احترامًا للطبيعة الدينية للثقافة السائدة بالمنطقة، بجانب تحسين أوضاع الإنسان العادى.

من بين المؤشرات الرئيسة التى تشكل اختبارًا للديمقراطية فى الشرق الأوسط كيفية إقرار الديمقراطية فى العراق. هل ستسمح أمريكا للعراق بالتطور من تلقاء ذاته باتجاه الديمقراطية أم أنها ستحاول أن تصيغ ديمقراطيته على نسق أو فى صورة نظام موالٍ للغرب؟ مثلاً، من المحتمل أن تصعد جماعات مسلمة متنوعة (الإخوان المسلمين، الشيعة.. إلخ) فى دول شرق أوسطية مختلفة ككيانات حاكمة داخل أنماط ديمقراطية من الحكم. إذا بدا العراق كدمية أمريكية، فإن دولاً أخرى ربما لا تشعر بالرغبة فى التحرك باتجاه الديمقراطية، وإذا فعلت ذلك، هل ستقبل أمريكا ظهور أنظمة ديمقراطية شرق أوسطية من تلقاء ذاتها ربما لا تأبه بالمصالح الغربية، خاصة خلال السنوات الأولى من ظهور مثل هذه الأنظمة؟

من الضرورى الأخذ فى الاعتبار حاجات ورغبات شعوب المنطقة، هل يرغبون حقًا فى الديمقراطية وعلى استعداد لتغيير أساليبهم لبناء الديمقراطية وجعلها تنجح؟ خاصة أن تغيير الثقافة السياسية ينطوى دومًا على صعوبة.

إن إعلان تفضيل الديمقراطية كنمط فى الحكم أمر يختلف تمامًا عن تعديل الذات لمتطلبات هذه الديمقراطية وقبول بعض المخاطر التى تصاحبها. على سبيل المثال، أوضح التاريخ أنه خلال السنوات العشر الأولى لظهور نظام ديمقراطى جديد، يزداد احتمال اندلاع الصراعات سواء خارجيًا أو داخليًا مع تحرك الديمقراطية الوليدة نحو النضج. لذا يجب أن تلتزم شعوب هذه الديمقراطيات الجديدة بالنموذج الديمقراطى وأن يكون لديها استعداد للتغلب على التحديات التى تقابلها.

إن مجرد تغيير النظام السياسى من استبدادى إلى آخر ديمقراطى لن يكون كافيًا لبناء ديمقراطية جديدة، ذلك أن هذا سيؤثر فى الأنظمة الاقتصادية والدينية والتعليمية والإعلامية والأمنية والقانونية، وبالتالى سيحتاج الأمر بعض الوقت حتى يتكيف الشعب وأنظمة الدولة مع النمط الجديد للحكم ونظام السوق الحرة الذى سيظهر. علاوة على ذلك، ستحتاج الدول الديمقراطية القائمة لتوفير الدعم وإبداء الصبر تجاه الديمقراطيات الجديدة الناشئة. فى رأيى، تحتاج الديمقراطية بيئة صالحة مثل توافر وضع اقتصادى معقول، وشعب متعلم، وتفهم وسطى للقضايا الدينية. بالنظر إلى القاعدة الدينية القوية داخل دول الشرق الأوسط، من المهم أن تقنع القيادات الإسلامية شعوبها بأن الديمقراطية أمر جيد لبلادهم وأنها لا تتعارض مع القيم الإسلامية الوسطية. وبإمكان هذا الدعم العام من جانب القيادات الدينية المعاونة فى بناء تأييد قوى لإقرار أنظمة ديمقراطية والتغيير الذى سيصاحب عملية التحول.

وبالنظر إلى التغيير اللازم والمتطلبات الزمنية المصاحبة له، فإنه من غير المتوقع أن تتمكن الدول شرق أوسطية من التحول سريعًا إلى نمط حكم ديمقراطى. وهناك مخاوف داخل الشرق الأوسط من أن محاولة الولايات المتحدة الإسراع من "دمقرطة" الشرق الأوسط مرتبطة بإجراءاتها العدائية فى العراق وأفغانستان واستراتيجيتها الخاصة باتخاذ إجراءات استباقية حال اختيارها ذلك. إن التحرك بسرعة مفرطة قد يؤثر فى استقرار المنطقة، حيث قد تبدو الدوافع الأمريكية أنانية وغير آبهة بأسلوب الحياة فى الشرق الأوسط. لذا فمن المهم أن تتحرك دول المنطقة نحو الديمقراطية على نحو منطقى وثابت ومنضبط على أساس تحدده هذه الدول ذاتها. فى ذات الوقت، سيتعين على الدول الغربية توفير الدعم الاقتصادى والتعليمى والتقنى للمساعدة فى تعزيز جهود التنمية والتغيير بالمنطقة.

مفهوم الديمقراطية من المنظور الإسلامى

قبل المضى قدمًا فى هذه المناقشة، من المهم تفهم كيف ينظر البسطاء فى الشرق الأوسط إلى الديمقراطية. فى الواقع، أن الديمقراطية، ككيان علمانى، من غير المحتمل أن يلقى قبولاً من جانب الغالبية العظمى من أبناء المنطقة لكونهم مسلمين متدينين. بصورة عامة، هناك توترات داخل الدول المسلمة فيما يخص بناء ديمقراطى من الحكم. من ناحية، هناك من يعتقدون بإمكانية تعايش الحكم الديمقراطى مع الطبيعة الدينية للشعوب شرق الأوسطية، ومن ناحية أخرى، هناك من يؤمنون بأن الثقافة القبلية للدول شرق الأوسطية ربما لا تلائم الحكم الديمقراطى نظرًا لظهور عدد هائل من الفرق والجماعات، وعليه، ستكون النتيجة ظهور مجتمع "ممزق" لا يمكنه التوحد بفاعلية، إضافة لمخاطرة إمكانية أن يؤثر ذلك فى التناغم الذى يكفله الدين الإسلامى. ورغم هذه المخاوف، فإن روح الديمقراطية، أو ممارسة حكم الذات، يجرى النظر إليها بإيجابية طالما أنها تسهم فى بناء البلاد وتدعم القاعدة الدينية مقابل الحط من قيمة الدين وزعزعة الاستقرار. وسيكمن التحدى فى خلق هذا التوازن، مثلما كان التحدى أمام غالبية الديمقراطيات الغربية الإبقاء على الفصل بين الكنيسة والدولة. ونستخلص من ذلك أنه مع نمو الديمقراطية فى الشرق الأوسط، فإنها لن تتطور بالضرورة اعتمادًا على النسق الغربى- وإنما ستتميز بصورتها أو شكلها الخاص المتميز بروابط دينية قوية.

ومن المتعذر تفهم الديمقراطية فى الشرق الأوسط من دون تفهم فكرة الخلافة. يعود تاريخ الخلافة إلى زمن النبى محمد، فخلال فترة حياته والأعوام السبعين التى تبعتها، قامت دولة الخلافة الرشيدة كأسلوب للحياة بين شعوب المنطقة وبين الكيانات الحاكمة. ويجرى النظر لهذه الفترة باعتبارها شديدة الخصوصية تمثل نموذجًا مثاليًا للحكم، وتعد على نطاق واسع الغاية التى يطمح أى أسلوب جديد للحكم للوصول إليها تمامًا مثلما شكلت "الحياة والحرية والسعادة" القيم التى ترمى الولايات المتحدة لتحقيقها. من المنظور شرق الأوسطى، من المحتمل أن تصيغ الكلمات التالية صورة الحكم الديمقراطى المرغوب: "الإنصاف والعدل والمساواة والخير".

واحتلت الرغبة فى تحقيق هذه القيم دومًا مرتبة متقدمة فى أولويات المجتمع شرق الأوسطى. بيد أنه بعد وفاة الرسول الكريم محمد- عليه السلام- بفترة، بدأت الخلافة فى الانحراف عن القيم التى رعاها النبى، حيث شرع الخلفاء فى توجيه اهتمامهم لمصالحهم الخاصة وسعوا لاستغلال سلطتهم فى تحقيق الرخاء لأنفسهم، بدلاً من الاهتمام برخاء شعوبهم. وحاول الحكام ضمان إحكام السيطرة على السلطة عبر تمريرها إلى أقاربهم، بدلاً من نقلها إلى القيادات الأكثر كفاءة حسبما يحدد الأشخاص المخول لهم ممارسة البيعة. وعليه، تفاقم السخط إزاء أسلوب إدارة الخلافة، وفقد الكثيرون الحق فى اختيار حاكمهم مما دفعهم لاختيار نمط الخلافة المفضل لهم بأنفسهم، الأمر الذى أدى بدوره لظهور فرق قبلية وطائفية داخل الكيان الإسلامى الذى كان موحدًا من قبل.

عند النظر إلى الكيان الإسلامى شرق الأوسطى اليوم، نجد أن تداعيات الانقسامات الأولى داخل المجتمع الإسلامى ما تزال حاضرة، عندما تواجدت العديد من الفرق القبلية والطائفية، وبالنظر إلى هذا الوضع الراهن، يتضح أن التحدى الرئيس هو إعادة توحيد هذه الفرق القبلية والطائفية بحيث يمكن إعادة النمط الأول من الخلافة.

من القضايا المرتبطة بالخلافة البيعة والشورى، حيث ظهرت كلتا العمليتين خلال السنوات الأولى من عمر الإسلام، مما أكسبهما أهمية واحترامًا كبيرًا. تمثل البيعة عملية الانتخاب لاختيار الخليفة، بينما تشكل الشورى الكيان الاستشارى والرقابى للخلافة. وتجرى ممارسة الشورى من منظور دينى لضمان اضطلاع الخليفة بواجباته على نحو يتفق مع تعاليم الإسلام. الملاحظ أنه رغم تميز العمليتين بروابط دينية وتاريخية، فإنهما قادرتان أيضًا على الإسهام فى تحقيق الديمقراطية.

وبالنظر إلى الطبيعة المتدينة للثقافة شرق الأوسطية، يظهر التساؤل حول كيف يمكن بناء ديمقراطية شرق أوسطية؟ هل ستملك الحكومة ثلاث أو أربع سلطات؟ هل ينبغى إضافة سلطة دينية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية لضمان الالتزام بالمعتقدات والأحكام الإسلامية؟ الإجابة البسيطة قد تكون نعم، إلا أنها قد لا تكون الأمثل. فى ظل الوضع المثالى، ينبغى أن تضع جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية نصب أعينها المعتقدات الإسلامية عند الاضطلاع بمهامها. وتبعًا لهذا التصور، تتلاشى الحاجة لوجود سلطة دينية منفصلة. بيد أن إقرار الأعمدة الرئيسة للإسلام داخل القوانين يستلزم تمثيلها فى الدستور أو وثيقة مشابهة. بيد أن ذلك لا يعنى قيام نظام دينى، وإنما يعنى أن نظامًا ديمقراطيًا سيقام على أساس المعتقدات الإسلامية.

عند النظر إلى الديمقراطية فى الشرق الأوسط، نجد أن أهم إجراء ينبغى التفكير فيه هو السماح لها بالظهور. قد لا تنتمى هذه الديمقراطية لذات النمط أو الصورة المميزة للديمقراطية الغربية، لكن ذلك سيمثل بداية جيدة. بوجه عام، يؤيد غالبية أبناء الشرق الأوسط روح الديمقراطية وسيؤيدونها تسعى طالما أنها لتحقيق الوحدة. ويتضمن ذلك السماح بوجود بعض الفرق التى قد تعتبر راديكالية، خاصة إذا حظيت بأصوات الغالبية. ولا يمكن للعالم أن يطالب بالديمقراطية فى الشرق الأوسط، ثم يندد بالشكل الذى تأتى عليه لأنه سمح على نحو مشروع بوصول حزب غير موالٍ للغرب للسلطة. مثلاً، انتخب الفلسطينيون مؤخرًا أعضاء من جماعة "حماس"، ومع أن هذه الجماعة لا تحظى بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، تبقى الحقيقة أنه تم انتخابها بصورة شرعية. والآن، أصبح على "حماس" وباقى العالم تسوية خلافاتهم السياسية. ومن المهم حتى فى ظل وجود خلافات سياسية كبرى- خاصة فيما يتعلق بوضع إسرائيل- السماح للأحزاب المنتخبة بصورة شرعية بفرصة ممارسة الحكم. حال عدم توفير هذه الفرصة، ستشكك الدول شرق الأوسطية فى مصداقية الدول الغربية وحقيقة نواياها تجاه الحكم الديمقراطى وما يمثله.

خلال المرحلة الراهنة من تاريخ الشرق الأوسط، تتسم مسألة الديمقراطية بالأهمية، وتبدو المنطقة على استعداد للتفكير بها. الملاحظ أن الكثيرين فى الشرق الأوسط يشعرون صور الحكم الاستبدادى القائمة حاليًا التى سبق وجودها أنها لم تحقق التقدم المنشود، خاصة عند مقارنتها بأجزاء أخرى من العالم المسلم، مثل ماليزيا وباكستان وإندونيسيا، ناهيك عن بعض الدول الغربية.

إن مبادئ الإسلام لا تقتل الديمقراطية. فى الواقع، بمقدور الإسلام والديمقراطية التعايش معًا. جدير بالذكر أنه عندما انطلقت الديمقراطية فى الولايات المتحدة، قامت على أساس القيم اليهودية- المسيحية. وبالنظر للنفوذ الكاسح الذى تمتعت به كنيسة إنجلترا، قررت الولايات المتحدة أن تقر فى دستورها صياغة توفر بعض الفصل بين الكنيسة والدولة، لكن الدين لم يمح من الحكومة، رغم اعتقاد البعض بعكس ذلك. من الواضح أنه خلال السنوات الأولى، تميز الدين بالأهمية وصاغ قيم الأمة الأمريكية.

فى الشرق الأوسط، لا يختلف التوجه عن هذا الأمر، باستثناء أن الدين الإسلامى هو الأساس الذى ستقوم عليه الصورة شرق الأوسطية من الديمقراطية. مثلما الحال مع التقليد الأمريكى، سيسمح للديانات الأخرى بالوجود. بيد أن الديانة الغالبة على الشرق الأوسط هى الإسلام، وبالتالى من المنطقى الافتراض بأن الصورة الديمقراطية للحكم ستقوم على المعتقدات الإسلامية. ويتمثل التحدى القائم فى ما إذا كان باقى العالم سيتمكن من قبول نظام ديمقراطى شرق أوسطى يقوم على المعتقدات الإسلامية. عمليًا، لا ينبغى أن تمثل تلك قضية خلافية لأن المعتقدات الإسلامية تفرز سلوكًا لا يختلف عن أنماط السلوك الدينى الأخرى.

التحديات أمام الديمقراطية فى الشرق الأوسط:

داخليا، هناك عدد من التحديات المتعلقة بتطور الديمقراطية تثير الانقسام، منها أوضاع الفقر والتعليم وممارسة الدين والطبيعة النفسية للسكان والحكومة. داخل الشرق الأوسط، يبلغ إجمالى الدخل 700 مليار دولار، أقل من دخل إسبانيا وحدها. وعند النظر لجميع الدول المسلمة، بما فى ذلك الواقعة خارج الشرق الأوسط، نجد أن إجمالى الدخل يقل عن دخل فرنسا. وتقف عدد من العوامل وراء الفقر فى الشرق الأوسط منها الحروب، مثل الصراع العربى- الإسرائيلى، والصراع بالصحراء المغربية بمنطقة الصحراء الكبرى، والصراع بين سوريا ولبنان. وتسببت هذه الصراعات فى زيادة الديون الداخلية والخارجية وعاقت النمو الاقتصادى. وتفاقمت المتاعب الاقتصادية جراء السياسات الاقتصادية والقرارات السياسية الرديئة. على سبيل المثال، حاولت الكثير من الدول شرق الأوسطية الحفاظ على الأسواق الخاضعة للسيطرة الحكومية بدلاً من الأسواق الحرة. وبالتالى، لم تتوافر حوافز تدفع عجلة الاقتصاد.

كما أدت السياسات الحكومية تجاه خلق الوظائف لظهور مشكلات لأنه غالبًا ما جرى خلق أعداد مفرطة من الوظائف فى وقت لا يتوافر فيه تمويل كاف، مما تسبب فى رفع معدلات البطالة وإثارة السخط الشعبى تجاه الحكومة. وأصبح السخط الشعبى تجاه الحكومة من العناصر الكبرى القائمة اليوم، ويشكل نقطة خلافية فيما يخص الديمقراطية. فى أذهان أبناء الشرق الأوسط، يجرى النظر إلى أى حكومة على نحو مريب. إضافة لذلك، يبدو أن من فى السلطة يعيشون فى رفاهية، بينما يناضل الإنسان العادى كى يعيش. ويكافح الأفراد العاديون لقضاء حياتهم يوما بيوم، فى وقت يفتقر الاقتصاد للنشاط ويعانى الكثير من أبناء المنطقة من البطالة. وبالنظر لضعف الأنظمة الاقتصادية، يلجأ الناس لأى طريق يمكنهم من البقاء، وغالبًا ما يكون الفساد هو المسار الذى يظهر أمامهم حيث إن من يتحكمون فى السلطة والثروة يميلون لاستغلال المواطنين الأكثر فقرًا. وعليه، ينظر السلوك السياسى إلى هذا التوجه القائم على المبادلة باعتباره أمرًا طبيعيًا. ويخلق ذلك سلوكًا ثقافيًا يتناقض مع القيم التى تقوم عليها الديمقراطية. لدى تطبيق الديمقراطية، سيظهر ميل قوى لدى الشعوب لـتقديم أموال للسياسيين فى بلادهم مقابل الحصول على خدمات استثنائية. بمرور الوقت ومن خلال التعليم يمكن أن يتبدل هذا الوضع، لكن ذلك قد يستغرق جيلاً أو اثنين كى يتحقق. ولتناول مشكلة الفقر فى الشرق الأوسط، يجب تحسين الظروف الاقتصادية والسياسية سواء تم إقرار ديمقراطية أم لا. وتخلق مسألة ضرورة التغيير بدورها فرصة أمام الديمقراطية. بيد أنها تخلق فى الوقت ذاته فرصًا أمام أنماط أخرى من الحكم والتى لا يعد بعضها مرغوبًا. وموجز القول أن الداعين لإقرار الديمقراطية فى الشرق الأوسط أمامهم فرصة سانحة الآن.

حال التغلب على مشكلة الفقر فى الدول شرق الأوسطية، فإنه قد تتاح فرصة أكبر لظهور الديمقراطية سريعًا بهذه البلاد. داخليًا، يتعين على دول المنطقة اتخاذ إجراءات لتعزيز اقتصادياتها، لكن من غير المحتمل أن تنجح فى ذلك من دون توافر دعم الديمقراطيات الغربية. وقد يأتى الدعم فى صورة استثمار فى المشروعات التجارية بالشرق الأوسط وإقامة أخرى بالمنطقة. ومن المهم الالتزام بدفع اقتصاديات المنطقة قدمًا. ولضمان توفير الدعم المناسب واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة ضد مخاطر الفساد، ينبغى بناء وكالة حكومية خاصة أو نظام إبلاغ لمراقبة سلوك الشركات شرق الأوسطية بانتظام. وربما يكون الوقت قد حان لتنشيط دور جامعة الدول العربية فى مراقبة الشئون الاقتصادية والتجارية. ومن الممكن أن تسهم مثل هذه الإجراءات فى التخفيف من وطأة الفقر وتوفير فرصة أفضل أمام جهود إقرار الديمقراطية.

فى الوقت الذى يرى المواطن شرق الأوسطى العادى الولايات المتحدة وهى تنفق مليارات الدولارات على حربها بالعراق، ربما يسارع للقول: لماذا لا تنفق واشنطن هذه الأموال فى تنمية الشرق الأوسط اقتصاديًا بدلاً من إنفاقها على الحرب؟ وتوحى وجهة النظر تلك أن الدعم والتحفيز الاقتصاديين ربما يسهمان فى تحقيق تقدم ديمقراطى أسرع. إلا أنه من المنظور الأمريكى، تشكل الأموال التى يجرى إنفاقها على الحرب شرطًا أساسيًا مسبقًا لبناء الظروف المواتية لقيام ديمقراطية دائمة. من دون وجود عراق وأفغانستان مستقرين، ربما تراود أبناء الشرق الأوسط الشكوك فى مصداقية الديمقراطية. ومن الواضح أننا نفضل تخصيص مليارات الدولارات لجهود اقتصادية سلمية، لكن مثل هذه الإجراءات الاقتصادية الداعمة تحتاج لبيئة مناسبة كى لا تضيع هباءً. وهناك حاجة للاعتراف بأن الوسائل النشطة ليست السبيل الوحيد لدعم ظهور نظام ديمقراطى مستقر، ذلك أن بمقدور الولايات المتحدة استغلال وسائل غير نشطة لبناء الديمقراطية فى العراق وأفغانستان. ولتحقيق هذا، يتعين على واشنطن الحد سريعًا من مستوى التقاتل داخل العراق وأفغانستان وإبداء دعمها لاقتصاديات المنطقة، مثل مصر.

ومن شأن ضعف النظام التعليمى وهشاشة الاقتصاد خلق مشكلات أمام الديمقراطية فى الشرق الأوسط. باستثناء سوريا وإسرائيل، تقترب نسبة المواطنين غير المتعلمين ممن يجهلون القراءة والكتابة بين 30% و45%. ويتسم نظام التعليم بالضعف وانخفاض مستوى حضور الطلاب ورداءة المواد التعليمية ومحدودية التمويل وعدم توافر القدرة على استخدام شبكة الإنترنت. ويتسم مجمل النظام التعليمى بالضعف وعجزه عن توفير حوافز للمواطنين للسعى وراء التعلم.

علاوة على ذلك، فإن القيود الحكومية المفرطة وأعداد الموظفين العموميين المتضخمة تخنق روح المبادرة الفردية وتسهم فى تعزيز قاعدة نفوذ الأحزاب السياسية الحاكمة. فى مصر، جرى رفع القيود الحكومية فى عهد الرئيس السادات فى محاولة لتحفيز النمو الاقتصادى. بيد أن هذه الجهود لم تؤت ثمارها فى عهد الرئيس مبارك. فيما يخص التعليم فى الشرق الأوسط، من المتعذر تحسينه عبر إصلاحات تعليمية فحسب، وإنما يجب توفير حوافز اقتصادية تدفع المواطنين لرؤية فوائد من وراء نيل التعليم. وعليه، يجب ربط الإصلاحات التعليمية بتحسين القدرة الاقتصادية. ويجب على السلطات الحاكمة تنفيذ سياسات تشجع النمو والحرية الاقتصاديين.

الملاحظ أن صور الحكم تتنوع بدرجة كبيرة داخل الشرق الأوسط، وتتضمن أنظمة ملكية، وحكومات مؤقتة بسبب وجود قوة محتلة، وأنظمة ديمقراطية، وأخرى جمهورية، واتحاد، ونظام دينى. وتخلق الطبيعة الدينية للشرق الأوسط تحديات أمام السلطات الحاكمة، خاصة فى ظل السيطرة المركزية. من ناحيتها، تميل الحكومات نحو الحكم العلمانى، الأمر الذى يقصى قطاعات واسعة من السكان ممن يؤمنون بضرورة عدم فصل الدين عن الحكم. وعادة ما تتعرض القيادات الدينية التى تتجاوز الحدود المرسومة لها- فيما يتعلق بقضايا الحكم- للسجن من دون محاكمة. والملاحظ أن الحكومات التى تدعى الديمقراطية تتمسك بسيطرة مركزية محكمة وتتدخل فى نتائج الانتخابات عبر السيطرة على وسائل الإعلام وممارسة التهديد الصريح.

عندما تفرط الحكومة فى أعمال القمع، ربما يلجأ المقموعون للإرهاب. وتعد الأراضى المحتلة فى إسرائيل مثالاً جيدًا على ذلك. ونظرًا لوجود القمع، تظهر بيئة عقيمة تؤدى فى النهاية لظهور حركات متطرفة. ورغم وجود عناصر دينية معتدلة فى المجتمع، فإنها ليست على ذات المستوى من النفوذ مثل المتطرفين وغالبًا ما يجرى ربطها بالأفعال الشريرة التى يرتكبها المتطرفون. ويضع هذا العناصر الدينية المعتدلة فى مواجهة المتطرفين. ونظرًا لقدرتهم على حشد النفوذ، يحظى المتطرفون بالشعبية. وعند النظر للجماعات المتطرفة، مثل "حماس"، نجد أنها من المحتمل أن تصل السلطة عبر السبل الديمقراطية. ورغم ذلك، ربما تبقى غير ممثلة للشعب بالكامل، خاصة العناصر الدينية المعتدلة. لذا فإنه حتى فى ظل وجود "حماس" منتخبة، قد تبقى تحديات قائمة على امتداد الطريق، لكن هناك أملا فى أن تتمكن القطاعات الدينية المعتدلة من تخفيف حدة الإجراءات المتطرفة.

أيضًا، تطرح السيطرة على الإعلام مزيدًا من المشكلات أمام المسلمين المعتدلين، ذلك أن إدارة وسائل الإعلام تجرى عبر فلسفة علمانية. ويضمن الإعلام العلمانى سيطرة الحكومة ومزيدًا من الإقصاء للمتدينين المعتدلين. ينشر هذا الإعلام فلسفة الحياة الليبرالية التى لا يؤيدها الكثير من المسلمين المعتدلين، وتوفر أداة يستغلها المتطرفون لأنها تمكنهم من الوقوف على أرضية مشتركة مع المعتدلين، الأمر الذى يقوى شوكة الفلسفة المتطرفة. وبسبب ممارسة الحكومة سيطرة مفرطة على الإعلام، لا تضطلع وسائل الإعلام بأى دور محاسبى نيابة عن المجتمع ككل. إذا تواجد فساد داخل الحكومة من المحتمل أن يمر من دون الإبلاغ عنه. وعليه، تتولد قناعة لدى الجماهير بأن حكوماتهم صالحة وأنها تهتم بهم كمواطنين. إلا أن الكثيرين فى الشوارع بدأوا فى التعرف على الحقيقة عبر وسائل أخرى.

وستبقى وسائل الإعلام عقبة أمام إقرار نمط حكم ديمقراطى حتى يصبح من الممكن الوثوق فى قدرتها على تمثيل ما هو أبعد من مجرد وجهة النظر الحكومية. ويعد هذا تحديًا هائلاً لأنه يستلزم ممن يتقلدون السلطة إبداء استعدادهم للتخلى عن سيطرتهم على الإعلام. جدير بالذكر أن المراحل الأولى من عمر الديمقراطية ربما تفتقر إلى التغطية الموضوعية للأحداث حتى يصبح من الممكن بناء مؤسسات إعلامية مستقلة من دون تعرضها لعقاب. وربما تكون إحدى الخطوات الأولى المحورية على هذا الصعيد تقديم المؤسسات الإعلامية العالمية يد العون وممارسة الديمقراطيات ضغوطًا من أجل إقرار حرية الإعلام.

مخاطر الديمقراطية فى الوقت الراهن:

مثلما سبق أن ذكرنا، يتألف الشرق الأوسط من مجموعة متنوعة من أنظمة الحكم. تتمثل الغالبية فى أنظمة ملكية تملك السيطرة الحصرية على المناطق الواقعة تحت حكمها. ومن غير المحتمل أن تقدم هذه الحكومات طواعية على التخلى عن السلطة قريبًا لصالح نمط ديمقراطى من الحكم. إلا أن هناك حاجة لوجود رؤية موحدة بإمكانها توحيد الدول شرق الأوسطية على نحو أفضل بغض النظر عن نمط الحكم السائد. تعد منظمات مثل "أوبك" وجامعة الدول العربية نماذج على مؤسسات تمثل مصالح الشرق الأوسط، لكنها لا تعمل ككيانات تسهم فى توحيد أواصر المنطقة مثلما نرى، مثلاً، فى اتحاد شمال أفريقيا. وربما يكون من مصلحة الدول شرق الأوسطية الالتفات لنمط الحكومات الآخذ فى الصعود داخل أفريقيا فى خضم محاولتها تنظيم أنفسها على أساس إقليمى رغم تباين أساليب الحكم.

وبالنظر لعدد الأنظمة الملكية القائمة فى الشرق الأوسط، نجد أنه من غير المثير للدهشة أن الشعوب تتطلع نحو حكوماتها لضمان رفاهتها. تاريخيًا، كان هذا هو الوضع القائم منذ فترة بعيدة. وبوجه عام، قامت علاقة الشعب بالحكومة على فكرة اعتماد الأول على الثانى وتقديم الثانى أفضالاً للأول. فى ظل القيادات الرشيدة، كان هذا أسلوبًا مقبولاً للحياة، لكن فى ظل القيادات غير الجديرة بالثقة والفاسدة، افتقدت الجماهير التمثيل للتعبير عن مطالبها والقدرة على تلبية احتياجاتها. ومن جديد، تطرح الديمقراطية تحديات، حيث يجب تعزيز روح المبادرة الفردية ومكافأتها بحيث يتمكن أفراد المجتمع من تفهم أهمية صياغة مصيرهم بأيديهم بدلاً من الاعتماد على الحكومة فى هذا الشأن. بالتأكيد سيستغرق هذا وقتًا، وسيتطلب قيادة قوية، وقاعدة وظائف واقتصاد داعمين.

تباين الرؤى بين الثقافتين شرق الأوسطية والغربية تجاه الديمقراطية

رغم وجود أمل أمام الديمقراطية فى الشرق الأوسط على المدى البعيد، فإنه قد لا يكون النموذج الغربى، ذلك أن الديمقراطية بالمنطقة يجب أن تضع فى اعتبارها تنوع أنماط الحكم والعثور على خطاب يوحد صفوف المنطقة ككل. وهنا تحديدًا تكمن المخاطرة. حاليًا، هناك معركة مستعرة بين متطرفين ومعتدلين والغربيين، حيث يحاول كل طرف بجد فرض سيطرته وإقرار أسلوب حياة يعكس مصالحه

مستقبل الديمقراطية فى الشرق الأوسط.

ينظر المتطرفون إلى الخلافة باعتبارها الغاية الأسمى، بينما يتابع المعتدلون صعود ديمقراطيات فى دول مثل مصر وسوريا ولبنان واليمن. أيضًا، من الواضح أن فلسطين تحظى باهتمام العالم مع تحرك "حماس" نحو المقدمة. وهنا يطرح تساؤل نفسه: حال ظهور الديمقراطيات، كيف سيكون شكلها؟ أعتقد أن هناك ثلاثة خيارات قائمة: أولها: أن تتمكن الديمقراطيات ذات الطابع المتطرف، مثل "حماس"، من احتلال دائرة الضوء بقدرتها على التنظيم وتلبية احتياجات السكان الذين تمثلهم. وسيكمن التحدى فيما إذا كانت مثل هذه الأنظمة قادرة على المنافسة على الساحة العالمية بفاعلية من دون بتر روابطها ببيئتها الوطنية، مما يفقدها ناخبيها فى نهاية الأمر. ثانيًا: أن تأتى الديمقراطيات على نسق التقاليد المعتدلة السائدة بدول مثل مصر ولبنان، حيث لا تحظى الأيديولوجيات المتطرفة بالقبول الواسع، لكن الجماهير تفتقد فى الوقت ذاته لإدراك مناسب لحقيقة مشكلات الفساد داخل الحكومة. ولتجنب الانزلاق نحو الأيديولوجيات المتطرفة، من المهم أن تطرح هذه الديمقراطيات أسلوبًا أفضل للحياة عبر بناء حكومة تمثيلية. أما الخيار الأخير والأقل احتمالاً فهو ظهور ديمقراطيات على النسق الغربى، بيد أن تعقيدات الشرق الأوسط من غير المحتمل أن تعكس صورة غربية. والمؤكد أن النجاح فى بناء ديمقراطية فى العراق سيأتى بمثابة علامة فارقة فى مسار الدول الخليجية نحو المستقبل. وإذا نجح ذلك، ربما يحالف النجاح أيضًا الديمقراطيات المعتدلة فى المستقبل، حيث سيثبت ذلك أن الصراعات الطائفية (سنة وشيعة) يمكن تسويتها سلميًا، ويمكن حكم كليهما من جانب كيان موحد. كما سيثبت أن الديمقراطية بمقدورها القضاء على الفقر المتفشى وتحسين مستوى جودة الحياة.

خاتمة وتوصيات:

سيمثل التعليم والإعلام عنصرين محوريين فى بناء نظام ديمقراطى. ويجب أن يتم الانتقال من أدوات سيطرة الدولة نحو أدوات سيطرة الأفراد. ومع انتشار وسائل إعلامية، مثل الانترنت والتلفزيون، ستتمكن قدرتهم على التثقيف من أسفل لأعلى من تحفيز الجماهير. الواضح أن العناصر المتطرفة تدرك أهمية وسائل الإعلام، لذا تحاول كسب نفوذ عبر استغلالها. ولضمان نجاح الديمقراطية، يجب أن يظهر الإعلام أن أسلوب الحياة المعتدل هو السبيل الأفضل.

سيأتى دور الدين فى الحكومة من بين قضايا محورية كثيرة أخرى. وفى الوقت الذى يرى المعتدلون مكانًا للمعتقدات الإسلامية، فإن التاريخ يكشف أن دمج الدين فى الديمقراطية شكل دومًا تحديًا. بيد أن ذلك لا يعنى أن الشرق الأوسط لن ينجح، وإنما من الضرورى خلق تفهم دينى مشترك بين جميع العرقيات والثقافات ووضع المعتقدات غير الإسلامية فى الاعتبار.

يجب أن ينظر الشرق الأوسط لنفسه مثلما الحال مع الاتحاد الأوروبى، بمعنى أنه يمثل دولاً وثقافات متنوعة تتسم بمستويات معيشية مختلفة، ورغم ذلك ترى فى تنظيم أنفسها سبيلاً لتقدم أوروبا- اقتصاديًا وأمنيًا ودوليًا- ولهذه الأسباب ذاتها، ينبغى أن ينظم الشرق الأوسط نفسه على المستوى الإقليمى. ومن شأن ذلك تنشيط المنطقة وتعزيز التفاعلات بين الأسواق الحرة، الأمر الذى يعزز التطور الديمقراطى.

وأخيرًا، مع تطور الشرق الأوسط، ينبغى على باقى العالم السعى بجد لإيجاد سبل للمعاونة فى تعزيز القيم والأساليب الديمقراطية. ويبدو الاستثمار فى السبل التعليمية بداية جيدة على هذا الصعيد.

استطلاع الرأي

العدد 212 حالياً بالأسواق